لم أكن أسمع إلا أزيز الرصاص ودوي القنابل وهدير طائرات الهيلكوبتر وصياح المارينز الهائجين وصراخ الأطفال ونواح النساء العراقيات، وأنا في القطار المتجه إلى سوسة التونسية عندما حجب وجه كهل، في عقده الخامس، نور الشمس عن وجهي ليسألني بالإنجليزية: ''سيدي، هل يمكن أن أعرف عنوان الكتاب الذي بين يديك، يبدو أنه باللغة الفرنسية وأنا لا أحسن الفرنسية؟''· فأجبته:'' الترجمة الحرفية لعنوان الكتاب هي حرب·· عاهرة''!·· اختفت الحمرة من وجه الكهل للحظات، ثم سألني من جديد: ''هو كتاب عن الحرب الأمريكية على العراق كما هو واضح من صورة جندي المارينز على الغلاف؟''· قلت له: هي اعترافات جندي أمريكي أرسل إلى العراق لتخليصه من الأشرار، فاكتشف في نهاية المطاف بأنه والذين معه والذين أرسلوه·· هم الأشرار، فهرب من الجيش ليبوح بالحقيقة المرعبة التي اكتشفها وعاش تفاصيلها المخزية''·· رمى الكهل بجثته على الكرسي الفارغ بجانبي وقال·· ''أنا أمريكي·· ولا أعتقد بأنني شرير''! ·· وأضاف وكأنه يكشف عن سر·· ''لقد زرت بلدانا إسلامية وعربية·· زرت ماليزيا وأندونيسيا وتركيا والأردن ومصر·· وزرت بلدانا أوروبية وآسيوية بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر·· والغريب أنني لم ألمس أي تعاطف معنا جراء ما حدث لنا''!·· هناك ما هو أسوء، قلت له·· ثم أضفت ''·· حتى الذين تعاطفوا معكم في البداية غيروا رأيهم بعد شهرين·· بعد اكتشاف الحقيقة''· حدق فيّ الكهل الأمريكي وعلامات الاستفهام تتراقص فوق رأسه وقال لي: ''يهمني جدا أن أعرف هذه الحقيقة''·· قلت له: ''أنتم الأمريكيون تحبون القصص، وأعتقد بأنني لن أجد أفضل من قصة بيتر سكاون·· وسكاون أول صحفي كندي، إن لم يكن أول صحفي في العالم، يجري حديثا صحفيا مع أحد الناجين من أحداث 11 / 9 في اليوم نفسه·· ولم يكن هذا الناجي بأعجوبة إلا أخته إيمي التي كانت متواجدة في الطابق الرابع والخمسين من البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، عندما اصطدمت الطائرة الأولى بالبرج الشمالي!·· يقول سكاون واصفا ردة فعله: ''كانت ردة فعلي الأولى هي الغضب، وقد أعجبني بوش عندما أعلن بأنها ستكون حربا بين الخير والشر، وهذا ما أردته!·· الانتقام وليس العدل·· بدا لي إجماع الإدارة الأمريكية ونيتها في الانتقام من المسلمين بكل قوتها المسلحة الهائلة، إجماعا صائبا، كما أنني انضممت إلى التيار الذي يرى أنه لا أحد يجب أن يبحث عن تفسيرات للضربات التي ستنفذها الحكومة الأمريكية''·· حرك الكهل الجالس بجانبي رأسه وقال: ''بالضبط·· هذا ما قلناه وما فكرنا فيه جميعا''· لم أعقب على كلامه وأكملت·· لكن، وبعد أن ذهب الغضب وعاد العقل والمنطق وبعد ستة أشهر من البحث من أجل فهم ما حدث في ذلك اليوم، اكتشف سكاون بأن هدف بن لادن لم يكن أخت الصحفي ولا ''كان الهدف أسلوب الحياة الأمريكي ولا الحضارة بالكامل، كان هدف بن لادن·· حكومة الولايات المتحدة الأمريكية''!·· ويضيف سكاون ببرودة أعصاب ''لو يرى الأمريكيون للحظة واحدة دولتهم بنفس النظرة التي تراها بها الأمم الأخرى، سيدركون الحاجة لرؤية العالم من منظار أكثر دقة· كما سيفهمون أسباب كون الأمم الأخرى مثقلة بمواعظ أمريكا عن الديمقراطية والحرية، وسيدركون أخيرا ما أدركته شعوب الدول الأخرى بأسى، منذ زمن بعيد، أن الحكومة الأمريكية ليست بريئة كبراءة مواطنيها الذين قتلوا في ذاك اليوم''! وكانت نتيجة البحث الذي قام به سكاون كتاب عنوانه ''الكتاب الأسود للولايات المتحدة''! وقد لخص عمله بالقول: ''إن هذا الكتاب هو تحقيقي الخاص عن خلفية الدولة التي كادت أن تقتل فيها أختي· ليس هذا الكتاب أدبا رفيها، ولكنه قد ساعدني للإجابة على بعض الأسئلة وبشكل، عن كون حكومة الولايات المتحدة وعبر سياساتها الخارجية وأفعالها الماضية، قد وضعت مواطنيها في خط النار''· ويضيف ساخرا: ''إن القول بانعدام الروابط بين السياسة الخارجية الأمريكية الحالية بالحادي عشر من سبتمبر هو أمر مثير للسخرية· وبصورة متساوية، فإن حماقة الادّعاء بأن الولايات المتحدة أمة بريئة وفاضلة، ليس ذاك الادّعاء حماقة فقط، بل انهزام''!
لم يعلق الكهل الأمريكي الجالس بجانبي على ما قتله، وإنما بدا وكأنه ''يتشرب'' كلامي ببطء حتى يستوعب ما سمعه·· ثم نطق أخيرا··'' أنا أعترف لك بأنني لا أهتم كثيرا بالسياسة·· ولا يهمني لا الحمار ولا الفيل (يقصد الحزب الجمهوري والديمقراطي)·· كما أعترف بأن في كلامك·· أقصد في كلام الصحفي الكندي·· كثير من المنطق والحقيقة أيضا''·
**********
كان من الواضح أن ''نووى''، وهذا هو اسم الكهل الأمريكي القادم من كاليفورنيا، لا يعرف أشياء كثيرة عن السياسة الخارجية لبلاده، فمعظم معلوماته وآرائه كما قال هي ''مستقاة من مشاهدة الأخبار عندما لا يكون هناك برامج مهمة في التلفزيون''! لكنه كان مهتما جدا بالكتاب الذي كنت أقرأ ·· كتاب ''حرب·· عاهرة''·· لذلك، كان يطلب مني أن أنقل له بعض ما جاء في الكتاب·· فكنت وبإنجليزيتي المشلولة أحاول أن أترجم له عددا من الوقائع وتفاصيل بعض المجازر التي ارتكبها ولا يزال يرتكبها ''المارينز'' في العراق·· كان يحاول أن يفهم مني قدر ما استطاع، مرددا بين الحين والآخر عبارة ''هذا أمر فظيع''!·· ليخلص إلى نتيجة مفادها·· ''إذا كانت هذه الحقيقة·· حقيقة ما يجري في العراق·· فإن من حق العراقيين أن يكرهونا وأن يحاربونا ويقتلونا أيضا''! مضيفا: ''أنا أتفهم جيدا هذا الشاب (يقصد جوشيا كاي مؤلف الكتاب)·· هذا المارينز الذي يرسل إلى بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن بلدنا لنزع وتحطيم أسلحة دمار شامل لم يعثر عليها أبدا·· لقد كذبوا عليه·· كما كذبوا على كل الشعب الأمريكي''!
في تلك الدردشة التي امتدت لأكثر من ساعتين في القطار إلى سوسة التونسية، قال لي ''نووى'' بأن أول مرة شعر فيها بأنه ''غير مرغوب فيه كأمريكي''·· كان ذلك أثناء زيارته لمصر عندما رفض النادل في النزل الذي نزل فيه أخذ دولارين أعطاهم له كبقشيش!·· بل ''أجزم بأنه حمل حقائبي رغما عنه وضد إرادته·· كان الأمر واضحا ولا يحتاج إلى تفسير''، قال ''نووى''·· والغريب أن نفس الموقف تقريبا قد تكرر معه أثناء زيارته للأردن!·· ويمضي الكهل الأمريكي في حديثه فيقول: ''كما قلت لك·· أنا لا أهتم بالسياسة·· أنا عاشق للسفر·· والشيء الذي تعلمته من هذه الجلسة·· وهذه الدردرشة·· أن السياحة في العالم الإسلامي تتطلب إطلاعا كافيا على السياسة·· سياسة بلدي اتجاه هذه البلدان وهذه الشعوب وهذه الديانة·· ولكي يستقبلني الناس في هذه البلدان بابتسامة حقيقية وعواطف وأحاسيس عفوية·· يجب أن تغير الولايات المتحدة خطابها وأفعالها اتجاه هذه البقعة من العالم·· إنني أريد أن أسافر إلى حيث شئت دون أن يكرهني أحد·· دون أن يحاسبني أحد على شيء لم أقترفه''!
**********
تذكرت الكهل ''نووى''·· الأمريكي ''غير الشرير''، على حد وصفه لنفسه·· وأنا جالس أمام التلفزيون أستمع لخطاب الرئيس أوباما في جامعة القاهرة، وأنا شبه متأكد بأن الكهل ''نووى'' جالس هو الآخر في مكان ما في كاليفورنيا أمام جهاز التلفزيون ليستمع لخطاب رئيس بلده الذي سيوجهه للعالم الإسلامي·· في ذلك الخطاب، قال أوباما كلاما كثيرا أعجب نووى بالتأكيد، كقوله: ''·· لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أمريكا والإسلام لا تعارضان بعضهما البعض، ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما، بل إن لهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها، ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان''·· وأكاد أجزم بأنه سيندهش ويفتح فمه، غير مصدق، عندما يشاهد ويسمع أوباما وهو يقول: ''أعلم أن الإسلام كان دائما جزءا لا يتجزأ من قصة أمريكا، حيث كان المغرب أول بلد اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية·· بعد إعلان قيامها''!!·· وقوله أيضا: ''·· ولا شك أن العقيدة التي يتحلى بها أكثر من مليار مسلم، تفوق عظمتها بشكل كبير الكراهية الضيقة التي يكنها البعض·· إن الإسلام ليس جزءا من المشكلة المتلخصة في مكافحة التطرف العنيف، وإنما يجب أن يكون الإسلام جزءا من حل المشكلة''!·· لسنا هنا لمناقشة أو تحليل خطاب أوباما للعالم الإسلامي·· صحيح أن أوباما ذهب إلى القاهرة ليقول لنا ''كلاما يعجبنا'' و''كلاما لا يغضب''·· وقد نجح في ذلك·· خاصة إذا علمنا أن هناك ما بين 63 و04 خبيرا في العلاقات الدولية ومستشرقين ومستشارين ورجال قد شاركوا في إعداد وتحضير الخطاب، يضاف إلى ذلك الأداء الرائع للشاب أوباما وهو فوق المنصة·· لكن خطابه·· وكلامه·· سيبقى مجرد كلام ما لم يتبعه بالأفعال·· وفي انتظار ذلك·· أعتقد أن الكهل ''نووى'' يستطيع بعد خطاب أوباما أن يسافر إلى ''أرض الإسلام'' دون أن يرى علامات السخط في عيون وعلى وجوه المسلمين·· دون أن يكرهه أحد!
[مواطنة تحب السكوت] [ 24/08/2009 الساعة 5:44 مساءً]
أرى أن هدا الأمريكي غبي بما يكفي ليكون جاهلا بالسياسة و خاصة الأمريكية في وقتنا الذي أصبح وقت صراع و تصادم لللنهائ على ما يبدو ..................
[فايز] [ 12/07/2009 الساعة 5:11 مساءً]
ارى هن هدا الامريكي رجل يعرف قيمة الحرب التي هي عدم اغتيال الابرياء الدين لا يحملون سلاح وادعو الله ان يكثر من امثاله
[فيصل السليمان] [ 03/07/2009 الساعة 10:26 صباحاً]
العرب في مأزق تاريخي أوباما قال ما قال ولكن نحن ماذا قلنا ونحن 22 قبيلة
[lynda] [ 01/07/2009 الساعة 12:15 صباحاً]
الحقيقة أنني لا أكره نووى هذا، و لا الشاب الأسمر " الذي يبدو ليس شرير ا" أوباما، و لا أكره المارينز و ربما لا أكره بوش الشرير حتى، انا أكره ألذين مكنوا هؤلاء و سمحوا لهم ، بل وساعدوهم على أن يفعلوا بنا و بالعراق الأفاعيل.
مبارك لكم تحديث الموقع
[samir] [ 29/06/2009 الساعة 9:03 مساءً]
اني أرى مقالك جزء لا يتجزأ من مشروع أوباما لتلميع صورة أمريكا (المخزية طبعا) حيث انك تحاول جر القراء الكرام الى العطف على ذلك الأمريكي الذي كان جالسا بجنبك وضرورة النسيان ما جرى لنا من تحت راس خالتي أمريييييكا(الصومال فلسطين العراق السودان باكستان افغانستان)وكأنك تقول لنا يامعشر العرب والمسلمين بليييز سامحوها واغفروا لها انها أصبحت امبراطورية مسلمة عفوا مسالمة
[حسان من فرجيوة] [ 29/06/2009 الساعة 1:28 مساءً]
لكن خطابه·· وكلامه·· سيبقى مجرد كلام ما لم يتبعه بالأفعال··