بعبارة أخرى
أصحاب الأيكة··
؟ نصرالدين قاسم
ما كان لأبي جرة سلطاني أن يتجرأ ويصرح للزميلة بـ""الخبر"" أنه مستعد للتنحي من الرئاسة ويعتذر لمجلس الشورى، في حال ما إذا اقتنع أعضاؤه برأي وحجج خصومه، لو كان ينتابه مثقال ذرة من شك بأن المجلس الشوري ليس في جيبه كما يقال· يجب الاعتراف لأبي جرة أنه نبغ في العمل السياسي، وتعلم كثيرا من ثعالب السياسة الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، مثلهم في ذلك كمثل المنشار ""طالع واكل·· نازل واكل""، كما يقول أهلنا في أرض الكنانة·
ويجب الاعتراف لحمس أيضا أنها أصبحت حزبا حقيقيا، يتمتع بمقاييس الأحزاب السياسية القوية في الجزائر، التي لا تزول ولا تضعف بزوال الأشخاص وتغير السياسات وتبدل الظروف، مثلها في ذلك كمثل الجبهة التي بدأت تتشبه بها يوما بعد يوم·· فمن عاشر قوما أربعين يوما، أصبح منهم·
حرام عليكم حلال علينا
الظاهر أن أبا جرة لم يخطئ، وما كان لمناقريه مثل مناصرة والآخرين لو كانوا مكانه إلا أن يحذوا حذوه ويسيروا على ذات المنوال الذي سار عليه، الاختلاف الوحيد الذي كان سيبرز هو أن سلطاني كان يعلن ما لا يبطن، أما غرماؤه، فكانوا يعلنونها صراحة أنهم سيظلون على مقربة من حاشية السلطان يغرفون من مائدة السلطة، ولو من فتاتها· غير أن سلطاني ظل يتمسكن، وعندما تمكن أبلى البلاء الحسن، فكان أقدرهم على لعب دور كانوا يتباهون عليه بأنهم سيلعبونه دون خجل· ولسوء حظهم، وهذا ما يكون قد أثار غضبهم، أن سلطاني أبدع في ذلك بشكل لم يسبقه إليه أحد من الإسلاميين·
لا أحد بمقدوره اليوم أن يتمرجل على سلطاني، ويحاول أن يشكك في حصيلته، أو يتهمه بسوء التسيير والتدبير· زعيم حمس أثبت أنه سيد العارفين، عندما فهم جيدا قواعد اللعبة، وتحرك في إطارها والتزم بمعالمها· لقد استفاد كثيرا من تجربته كوزير، فقد اعتقد الرجل أنه في دولة يمكن أن يقوم فيها بدور مهام الوزير الموكلة له، فأكل أضراسه وخرج من الباب الضيق، وظلت تلك التجربة تؤرقه وتنغص عليه حياته، ليس لأنه لم يحسن التسيير ويضطلع بالمسؤولية كما يجب، إنما لأنه لم يعرف كيف يحافظ على ذلك المكسب ويدعمه باتجاه مكاسب أهم، ذلك لأن مقياس النجاح لم يكن العمل، وإنما القدرة على الحفاظ على المكسب، وفق المنطق السائد·
""المنصب"" ودوام ""المكسب""
لذلك، وبمجرد أن تمكن من مقاليد الحركة، وضع سلطاني نصب عينيه استرجاع المكسب، ومن ثم التطلع نحو الأهم، ولا يهم الثمن مقارنة بالمنصب، لأن كل شيء يهون وكل شيء معروض للبيع والمقايضة في مجتمع يُسَيَّر وفق هذه النواميس· وكم كانت فرحته كبيرة ـ كما ينقل عنه إخوته في حمس ـ عندما حباه الله بمنصب الوزارة، ولو كان افتراضيا بمقابل طبعا، فكان يتنقل منتشيا وسط الوفد المرافق له إلى التجمعات والتظاهرات التي تنظمها حركته، فتمتلئ القاعة بوصوله وتفرغ بخروجه·· ولعل هذا ما حرك نوازع الغيرة والحسد لدى من كانوا يرون أنهم أولى بهذا الهيلمان والجاه والسلطان·
وكما نجح سلطاني في الانسجام مع الوضع السياسي، والتكيف مع مستلزماته وشروطه، والاتسام بسماته وخصائصه حتى يكون أحد المنتفعين الأساسيين من مزاياه، فلم يكن أسوأ من بلخادم ولا أتعس من أويحيى، عرف أيضا كيف يحافظ على مكتسبات الحركة ويبقيها في الجوار، ولم يكن الأرندي في وضع أحسن منها، ولا الجبهة بوزن أثقل منها· فماذا كان بمقدور معارضيه أن يحققوا أكثر من هذا؟ أبو جرة انتقل ببراعة من وزير صادق أخطأ في فهم كنه المسؤولية والوزارة، إلى مسؤول نفعي ككل المسؤولين، لا يهمه من المسؤولية ومزاياها إلا دوامها·
""مبروك العَوْد··""
وعرف سلطاني كيف يتنقل بالحركة ببراعة بين تضاريس سياسية صعبة، ومكـّنها من أن تكون دائما في الموعد مع كل الأحداث، بتناقضاتها واختلافاتها· دخل بها معترك الاستقلالية، وقدم نفسه كمنافس محتمل لبوتفليقة، ثم حولها إلى لجنة مساندة للرئيس، واستحال إلى أشرس المتحالفين المؤيدين له· وقف ضد خيارات سياسية وتربوية وتشريعية واقتصادية وفق ما يمليه عليه البرنامج السياسي للحركة، ثم سرعان ما صحح موقفه دون حرج، إما بالتحول ثمانين درجة، أو بالتواطؤ بالصمت والتلاشي في الأمر الواقع·
التعديل الدستوري الأخير كان حلقة مهمة قدم فيها أبو جرة استعراضا سياسيا، أكد به أنه لم يعد مجرد هاو سياسي، فقد حرص الرجل على ألا يظهر مهللا بحجة أن المسألة من صلاحيات المجلس الشوري، دون أن يتجرأ على المعارضة، ثم انقلب دون مقدمات مطبلا، فأبدع في الترحيب وتثمين التعديل والتصويت الساحق الذي حظي به من لدن أعضاء غرفتي البرلمان، عندما رأى الجميع ينبري لمباركة خطوة الرئيس وتهنئته على ""الحصان""·
·· ويكتمون الحق
لست أدري أين أخطأ سلطاني وهو يتصرف كما يحلو له في ظروف سياسية يكذب فيها الجميع، ويمارس النفاق السياسي، ويلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون· أين العيب في أن يطلب سلطاني من مناوئيه ألا يناقشوا قضاياهم خارج أطر الحركة، في طبقة سياسية لم تعد تعترف بأي نقاش أو حوار سوى حوار التزكية ونقاش التأييد والمساندة· أوليس من حق أبي جرة أن يرفض اعتبار معارضيه معارضين ويصفهم بأصحاب الرأي الآخر، ويؤكد أنهم لم يعجزوه ولم يقلقوه، ولن يكون بمقدورهم إضعاف الحزب، لأنه يعرف جيدا بأنه يستمسك بالعروة الوثقى، عكس ما كان عليه أترابه في الحركات الأخرى، كعبدالحميد مهري وعبدالله جاب الله وغيرهما، وبأن غرماءه غير مسنودين بمن يمكنه أن يفعل فيه ذلك، كما فعلوا من قبل في حركات أخرى·
سلطاني كغيره من زعماء الواجهة الآخرين، بلخادم وأويحيى وتواتي وحنون·· أحد رجال المرحلة الذين استخلصهم النظام لنفسه، يساير الوضع ويقوم بما هو مطلوب منه، ولم يشذ عن القاعدة العامة، ولا يعاب عليه إلا ما يعاب على الجميع لأن المؤامرة التي حيكت لاغتيال بقايا الديمقراطية في الجزائر، الكل تواطأ فيها ربما بنفس القسط من المسؤولية، ولا فضل لأحدهم على الآخر· فلا يمكن لبلخادم أن يفوز بالفضل كله، ولا لأويحيى أن يُحَمَّل الضلال كله، ولا لسلطاني أن يبوء بالإثم كله، ولا للنواب أن يحملوا الوزر كله· وحتى من حيث الفائدة والاستفادة، فلا يمكن الجزم بأن لبوتفليقة الخراج كله، قد يستفيد الرجل مرة أو مرتين، لكن النظام سيستفيد منها كل الوقت من بعده· ؟