هكذا يحلو لأخينا أبو بكر أن يعلق على سلوكات الجزائريين السلبية، وهو يعني بذلك أن الشعب الذي تمارس عليه السلطة كل أنواع الظلم والاستعباد والحرمان، لا يتوانى عن ممارسة نفس العدوان على بعضه البعض. تأملت كثيرا هذه المقولة، وما فتئت تدور بخلدي، أنا الذي يرفض أن يحمل الجزائريين مسؤولية مآسيهم بما فيها ممارسة الظلم والاعتداء على بعضهم البعض، فتارة تجدني أثني على أبي بكر وأجزم أنه كان محقا فيما ذهب إليه، وتارة أستنكف على عقبي وألتمس لأبناء جلدتي الأعذار وأبرئهم ونفسي من تهمة ''الحڤرة''.
الحكم الراشد والشعب القاصر!
لا يختلف إثنان أن السلطة هي التي كانت المبادرة بممارسة ''الحڤرة'' على الشعب، مذ ترسخ لديها الاعتقاد بأن هذا الشعب غير راشد ولا يمكنه أن يقرر مصيره بنفسه، رغم أنه فعل ذلك مع أعتى القوى الاستعمارية. ولا يختلف جزائريان أن مؤسس هذا الفكر هو الراحل بومدين الذي كان يتصور نفسه أعرف من الجزائريين بمصالحهم، وأأمن منهم على مصيرهم ومستقبلهم، إلى درجة أعفاهم فيها من التفكير، فثمة من يفكر مكانهم، ومن التدبير، فثمة من يدبر أفضل منهم، ومن اختيار من يحكمهم، فثمة من يعرف من هو الأجدر بحكمهم.
''الحڤرة'' في الجزائر بدأت من اللحظة التي تحولت فيها الدولة إلى مجموعة أفراد. فتحت شعار دولة لا تزول بزوال الرجال والحكومات، ترسخت وتأسست دولة الأفراد أو دولة العصب أو دولة الفرد المستبد، فلم تعد الدولة في الجزائر دولة مؤسسات، بقدر ما أصبحت مجموعة من الأشخاص يتحكمون في مصير أمة بواسطة مؤسسة كان من المفروض أنها إحدى مؤسسات هذه الدولة، أي المؤسسة العسكرية، ومن يسيطر على هذه المؤسسة يسيطر على الجمل بما حمل.
دولة العصب وتعميم ''الحڤرة''..
الدولة في الفترة البومدينية كانت بومدين وجماعته ليس إلا، والعدم لمن دونهم. وهذا لا يعني أنها لم تكن كذلك في عهد بن بلة، إنما الفرق في ترسيخها وتكريسها كذلك. بومدين ظل ـ إلى أن توفته المنية ـ ينظر إلى الشعب على أنه قاصر بحاجة إلى من يسعفه في كل شيء. قد تكون نية الراحل طيبة وقصده شريف، لكن هذا لا يخلو من إساءة كبيرة واعتداء مورس على الشعب، ولا يزال يدفع ثمنهما إلى يوم الناس هذا.
نفس المنطق تقريبا احتفظت به الدولة في الفترة الشاذلية الطويلة، وإن بشكل أقل حدة في الظاهر طبعا، لأن سطوة الفرد على الدولة خفت بشكل كبير، وحل محلها سطوة العصبة المسيطرة على مقاليد الجيش. وعندما طرأ ما يمكن أن يغير الوضع برفع ''الحڤرة'' عن الشعب، تصرفت العصبة بمنطق الفرد المستبد، دون الالتزام بمنطق الدولة الذي ظلت تتظاهر أنها تتصرف في إطاره، وبطشت بالشعب بطشتها الكبرى وتمادت في غيها إلى أن عممت ''الحڤرة'' وجعلتها ملكا مشاعا بينها، أي ''الدولة العصبة الحاكمة'' والشعب، كل يمارسها كما يشاء وعلى من يشاء.
كل يعمل على شاكلته..
السلطة التي كانت تحكم باسم الدولة في الجزائر ظلت تراعي الحد الأدنى من منطق الدولة في ممارساتها، مهما كانت استبدادية وانفرادية أو مصلحية، أو تغلفها بتلك الهالة على الأقل، لكنها ومنذ جانفي 92 انتقلت بردة فعلها إلى مستوى الفرد، فلم تعد تلتزم بأي تقليد، وقد خلت كل خطواتها من منطق ''الدولة'' وبدت وكأن فردا بعينه يتصرف ويرد الفعل. وقد تجلى ذلك في عدة مظاهر وسلوكات، منها وقف المسار الديمقراطي، معاقبة الشعب على اختياره، من ليس معي فهو ضدي، ضرورة تغيير معسكر الخوف، خيار الاستئصال والكل أمني، والتشفي في بعض ضحايا العنف ـ ولا أقول ميثاق المصالحة الوطنية حتى لا أقع تحت طائلة القانون ـ تجريم الحرقة، فرض الضريبة على اقتناء السيارات، وقف القروض.. وما خفي كان أعظم.
وبفضل هذا السقوط الحر لـ''الدولة''، تم تعويم الحڤرة، إن صح التعبير، فأصبح الشعب المحڤور يمارس الحڤرة هو الآخر وانتشر منطق ''طاڤ على من طاڤ''، فهذا الوضع المخزي كان نتاج سلوكات أفراد رفعوا عن الدولة هيبتها وأخضعوها لأهوائهم ومارسوا بها عقدهم، لدفع الشعب إلى الفوضى العارمة ونشر الإثم والعدوان بين ظهرانيه تحت شعار ''خلي الشعب ياكل بعضه''، وهذا ما اختصره أخونا أبو بكر في شعاره ''شعب محڤور وحڤار''.
الأحياء الشعبية.. من الفضيلة إلى الرذيلة!
إن المتأمل في الوضع العام الذي آلت إليه حياة الجزائريين الشعبية، أو الحياة في الأحياء الشعبية، يختزل الموقف ويقرب الصورة أكثر ويضع التشخيص ويحدد المسؤوليات. إن الحياة في الأحياء الشعبية الجزائرية الكبيرة، من القصبة في قلب العاصمة إلى القصبة في تلمسان، أو نظيراتها في عنابة وقسنطينة أو القصور في الجنوب، كانت مفعمة بالحب والود والتعاون والتآخي والتآزر و''النيف والرجلة'' كما يُقال، كانت تجسد حسن الجوار في أسمى معانيه الإسلامية، كان كل من يدخل الحي الشعبي آمنا في ماله وعرضه وكرامته.. وقد ظل الأمر كذلك حتى نهاية الثمانينيات..
كيف أصبح حالها اليوم؟ لقد أصبحت مرتعا للجريمة والسرقة والاعتداء والمخدرات، تحت رحمة المدمنين والمجرمين وقطاع الطرق، لقد أصبحت عنوانا كبيرا للحڤرة: القوي فيها يأكل الضعيف. من يجرؤ اليوم على الدخول إلى القصبة أو باب الوادي أو باش جراح أو غيرها من الأحياء الشعبية في كل أنحاء الوطن وهو مطمئن آمن على نفسه وماله وعرضه. لقد أصبح الجار يسرق جاره وينتهك حرمة جاره، والتاجر يغش، والكبير لا يرحم الصغير والصغير لا يحترم الكبير، والمؤتمن يخون الأمانة والمدان لا يرد الدين، والكل في الربا والمحرمات غارقون، و''الدولة'' طبعا موجودة ويدها طويلة كما يقال، وساهرة على الوضع..!
لوحة تروي قصة ''الحڤرة''..
أُنظر إلى باش جراح، إنه لوحة معبرة تلخص الصورة، الشعب يملأ الدنيا يتلاطم كالأمواج، و''الدولة'' حاضرة بأمنها ودورياتها، لكن الاعتداءات والسرقات يومية في الشوارع والمحطات والأسواق، نساء تسرق أموالهن، وبنات يُعتدى عليهن وتُؤخذ أشياؤهن عنوة، وحافلات لا تنطلق حتى تكدس مسافريها كالسردين المعلب، وتجار يغشون سلعهم ويطففون في الميزان، وباعة الأرصفة يعتدون على حقوق باعة الدكاكين، والسيارات تسرق وتخرب إن لم يدفع صاحبها إلى هؤلاء السراق أو حراس ''شوارع الباركينغ''، والمسروقات تباع أمام الجميع وقد يشتري المرء ما سُرق منه..
أناس أثرياء، وطبقات ميسورة، وفئات تقتات من المزابل، وقصور ومراكز تجارية من هنا، وأحياء قصديرية وتجار خردوات من هناك.. إنها لوحة معبرة تروي لك في صمت مدوّ قصة الحڤرة في الجزائر، لوحة ينطبق عليها شعار أخينا أبو بكر بكل المقاييس.
''وافق شن طبقة''!!؟
هكذا، إذن، تحول الجزائريون، وبفضل العصب الحاكمة وتحت رعايتها وتشجيعها أو بالتواطؤ بالصمت، إلى شعب ''حڤار'' رغم معاناته من ''الحڤرة''، وهكذا وافق شن طبقة، ''دولة حڤارة'' و''شعب حڤار''، وهذا هو الوضع الأمثل لاستمرار النظام الذي كان، وبقاء دار لقمان على حالها.. فكما تكونوا يولى عليكم، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
السلطة مرآة الشعب le pouvoir est le miroir de peuple
[ابن فتاح] [ 17/09/2009 الساعة 2:06 مساءً]
ظ هرة الثقوب السوداء في محابرنا
لا يكاد الكاتب الجزالئري يمسك القلم حتى ينجدب هدا القلم الى اغوار الشعبوية كما تنجدب العناصر الى جوف الثقوب السوداءفي الفضاء الفسيح والتي لا تنجو منه حتى فوتونات الضوء رغم دقتها. هو نوع من التكافل ينتظم الكاتب بقارءه الجزائري الاول يمنح للثاني ما يرضيه وبالاخص ما يبرئه والقارئ يعد الكاتب بقراءة المكتوب مهما كانت نوعيته .بشرط ان يصب هدا المكتوب في مجرى تاثيم السلطة . نعم لا توجد سلطة محصنة ضد النقد الى في مدن الفارابي وشيخه افلاطون .فا لخطأ صنو العمل . لاكن مرد التجريح في السلطة الجزائرية لا يعود الى نقائص هاته وان كانت كثيرة وانما لهادا المرض الابدي الدي رافق الجزائري طوال تاريخه بل الاحق طوال لاتاريخه . هدا النفور المرضي من الدولة الوطنية . والسلم الاجتماعي الدي لا يتحقق الا تحت وصاية المحتل .فعلى كتابنا ان يعوا بان الكتابة ريادة واستشراف وتحدي للقدر وليست دوران ابله في دوامة ارضاء القارئ .وضمان المبيعات .
حسن .
[حسين بن أحمد] [ 14/09/2009 الساعة 10:08 مساءً]
هذه هي حقيقة الجزائر وللأسف , ظلم ,سرقة ,رشاوى ,فوضى ,........, أليس في بلاد رجل رشيد
[Djilali] [ 13/09/2009 الساعة 8:12 مساءً]
أظن أن الحقرة هي تصرف طبيعي يمييز الإنسان بصفته حيوان مثل باقي الحيوانات، يحمل في صبغياته جينات العدوانية والأنانية والتهور إضافة لباقي الجينات. ومهما حاول الإنسان التملص من طبيعته الحيوانية والنأي بنفسه عن عالم الحيوان، إلا أنه سيفشل لأن الفرق بينه وبين الحيوان، من وجهة النطر العلمي، ضئيل والتكوين الجيني يكاد أن يكون نفسه عند القرد مثلا. الفرق الوحيد الذي يتجلى دون الحاجة لبذل أي مجهود هو النفاق الذي يميز الإنسان دون الحيوان، أما باقي التصرفات فتكاد أن تكون نفسها في عالم الحيوانات حيث يقوم أقواها بحقرة ضعيفها. إن محاولة إلصاق تهمة الحقرة بالجزائري كميزة نمطية هو حكم غير موضوعي. فالحقرة ونقيضها وإحترام الآخر والكراهية والحب، إلخ، هي طباع تتواجد في كل إنسان وفي آن واحد، إلا أن بعضها يطفو إلى السطح ليغطي باقي الطباع الأخرى، ويعود هذا لبروز ظروف خاصة تشجع على ظهور طبع دون آخر. فلو توفرت نفس الشروط في أي بلد آخر، فسيكون رد فعل شعبه نفسه الذي نراه في الجزائر ولك في المكسيك أو كلومبيا المثل. إجتثاث الحقرة لا يتم إلا بإزالة العوامل التي تساعد على ظهورها مثل الفقر والجهل.
[Mourad] [ 12/09/2009 الساعة 12:40 صباحاً]
Tout à fait d'accord avec l'auteur
Même à l'étranger , ils reproduisent les même comportements, notre image à l'étranger laisse à désirer.
Celui veut que le pays change vers le meilleur ,chaqu'un doit commencer par faire un travail sur lui même...les changements ne viennent par une intervention divine...le peuple est complètement dans l'impasse..si le peuple se montre civilisé se respecte en somme se comporte à tous le niveau d'une man^ère civiliée et conforme aux lois et la morale, l'etat ne peut que suivre
comme dit Ait menguelet
wi vghane atesseguem adhi seguem imaniss
celui qui que ça change il commence par changer lui même.
wa laheb lebled tetregli lazam yergli rouhou m'el lwal .,
[issamt50] [ 09/09/2009 الساعة 12:40 صباحاً]
**فكما تكونوا يولى عليكم، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم**
بارك الله فيك
لكن أظن أن الشعب قابل للتغير اذا تم تغيير هذا النظام الفاسد بنظام أحسن و السؤال الذي يطرح نفسه
متى سيتم هذا ؟ لعله بعذ زوال ""المدرسة البومدينية"" و التخلص من آخر آثارها
[kamel painkiller] [ 08/09/2009 الساعة 4:38 مساءً]