شاركت الجزائر مؤخرا إلى جانب 103 دولة في آخر أولمبياد للرياضيات بألمانيا، وهي المنافسة التي استخدم المشاركون فيها بكل ذكاء المعادلات الرياضية ذات المجاهيل المتعددة والأقيسة الجبرية المعقدة، وفيها سجلت جزائر العزة والكرامة والتقدم العلمي المذهل الناتج عن إصلاحات وزير التربية والتعليم السيد أبو بكر بن بوزيد المرتبة الأخيرة. نعم، إنها المرتبة الأخيرة بالبرهان الرياضي الذي لا يحتمل الشك أو النقاش أو المكابرة.
ومهما تكن الأسباب التي تقف خلف هذا ''الإنجاز'' الجزائري الجديد، فإنه من الإنصاف أن نقول بأن الجزائر على مرّ مشاركاتها السابقة لم تكن أبدا في ريادة الترتيب الدولي، ولم تحتل في هذه المنافسات مراتب الصدارة، ولكنها كانت دوما تأتي في المراتب الوسطى وما بعدها، مؤكدة أنها ليست بالمشارك الفذ ولا بالمشارك الغبي أيضا. أما هذه المرة، فقد حدث ما هو منطقي، بالنظر إلى ما يتلقاه الطلبة الجزائريون منذ العشرية الأخيرة من دروس تبعدهم كل يوم عن ركب الحضارة والتقدم العلمي. لقد أصبح معلوما اليوم لدى الخاص والعام بأن مدرستنا أصبحت تخرج آلاف النافقين، اجتماعيا وفكريا وحضاريا، وبأننا نتجه بأولادنا صوب الجهل والعماء، إذ أننا نصرُّ بشكل غريب على تلقينهم دروسا تساهم في تنمية غبائهم بدل ذكائهم، وتنمي فيهم مشاعر الحقد والكراهية إزاء الآخر وإزاء الذات بدل المحبة والتسامح، وتزرع فيهم أحاسيس الخوف بدل الطمأنينة. فمن المنطقي أن يأتي الطالب الجزائري في المرتبة الأخيرة حين يكون الحجم الساعي المخصص لدروس سكرات الموت وغسل الموتى وعذاب القبر وقطع أيدي السراق أكبر من دروس العلوم الطبيعية والرياضيات. ومن المنطقي أيضا أن يتخلف التحصيل العلمي لدى الجزائريين حينما تتجه وزارة التربية والتعليم إلى تقليص ساعة الدرس إلى خمسة وأربعين دقيقة بدل الستين المعمول بها عالميا، حيث لا المعلم يتمكن من تقديم الدرس كاملا ولا التلميذ يقدر على استيعاب المعلومات الكسيحة أصلا في المقرر، فتكون النتيجة ضياع في الموضوع المتناول وإهدار للوقت الثمين ونفوق للتلميذ المسكين وبالمحصلة ضياع لثروات نفيسة لبلاد بأكملها. وليس أبلغ تمثيلا على هذا الضياع المركب والمرعب في آن سوى تلك الصورة الكاريكاتورية لذلك المعوق حركيا الذي وجد نفسه ـ بقدرة عبقرية وزارة أبو بكر بن بوزيد ـ موجها إلى معهد التربية البدنية ببن عكنون. اعترفوا معي ـ أيها القراء ـ بأنها آخر الابتكارات الجزائرية!!!
إن الإعاقة الذهنية التي بلغها المتعلمون الجزائريون بسبب السياسة الفاشلة لتسيير قطاع التربية والتعليم وبسبب تجوف المناهج التي أصبحت فارغة من أي هدف تعليمي أو تربوي أدّت إلى تخرج أجيال متتالية من البلداء والأميين الحاملين للشهادات، والذين لا يعرفون كتابة طلب توظيف واحد خال من الأخطاء أو رسالة صحيحة المعاني والمباني. هذه كارثة وطنية كبرى تسببت فيها الدولة نفسها، صنعتها بأموالها وبهياكلها وبمؤسساتها، فوجدت نفسها ـ قبل سنوات ـ أمام جحافل من المتشددين الذين يتوقون إلى الموت بدل الحياة، ويتشوقون إلى السماء عوض الأرض، ويحرثون البحر بدل الحقول. وإن استمر الوضع على هذا النهج وعلى نفس هذا المسار، فإن جحيما من الغباء سيلتهمنا جميعا وسيحل بنا قحط لا نظير له، سيأتي على أية ذرة جمال أو ذكاء أو محبة فوق هذه البلاد.. حينئذ، سنكون مؤهلين للمشاركة في أولمبياد الحقد والجنون.