هل حقا تحوّل الجزائريون من شعب تجمعه الغايطة وتفرقه الهراوة، إلى شعب تجمعه الكرة وتفرقه الهزيمة؟.. لكن قبل هذا وذاك هل حقا كانوا كذلك..؟ أسئلة تطرح نفسها بقوة أمام هذا الزخم الكبير والاهتمام غير المسبوق بمباريات كرة القدم دون غيرها من القضايا الأكثر أهمية والتي تمس الإنسان في وجوده وحياته وحيائه وقوته وعرقه وعرضه وكرامته، والتي لا يبدو أنها أصبحت تساوي شيئا أمام مباريات الكرة..
الكرة والهزائم الأخرى..!
طبعا حب الانتصار، ومقت الهزيمة من البديهيات لدى كل الشعوب، والتحيز للمنطقة والجهة والوطن أمور طبيعية أيضا، والتطلع لانتصار الفريق الوطني أمنية الجميع، لكن أن يصل الهوس إلى درجة اختصار الانتصار في مباراة كرة القدم دون التطلع إليه في مجالات أخرى مأساة أخرى تنذر بأن الشعب يسير نحو الهاوية، وبأنه سيبقى دون مستوى معاناته إلى أجل غير مسمى.
ما معنى أن يحدث كل هذا التجنيد والتركيز على الانتصار في الكرة ورفض الهزيمة في وقت يغرق الوطن في مستنقع الهزيمة في مختلف المجالات. المجتمعات الحية تروم الانتصار في ميادين حيوية كثيرة قبل ميادين الكرة، وقد حققت ذلك.. فأروني ماذا حققنا نحن. فالجزائري مهزوم داخليا وخارجيا، مهزوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتربويا ودينيا، وحتى تاريخيا وجغرافيا، فلماذا لا يصر على الانتصار في هذه الميادين ولو بثلث إصراره وتحمسه للانتصار في مباراة كرة القدم، هو يعرف جيدا أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو الوصول إلى نهائيات كأس العالم لمجرد المشاركة دون أن يكون له فيها أي حظ، في حين تخطط الأمم وتتطلع الشعوب إلى الفوز بهذه الكأس.
السلطة والأفيون والسر المعروف
إن سر الإجماع الذي تحظى به الكرة بين القمة والقاع، بين السلطة والدهماء وما بينهما يكمن في أنه المجال الوحيد الذي يمكن للسلطة أن تتمادى في استغلاله لإلهاء الناس دون أن يعاتبها أحد أو يعيب عليها ذلك. والمجال الوحيد المتاح للجزائريين الخوض فيه بكل حرية، وإشفاء غليلهم وإفراغ شحناتهم، دون أن يكون للسلطة أي حرج في ذلك. إن السلطة تستثمر في هذه الظاهرة بشكل مخز ومستعدة لأن تخصص له ميزانية تفوق ميزانية وزارة الدفاع أو وزارة التربية، ومستعدة لأن تدفع للاعبين الملايين من الأورو مقابل انتصار أو هدف يسعد الجماهير ويلهيها ويبعدها عن المطالب السياسية.
والغريب أن الجميع مجند ومتواطئ في هذه ""الملهاة""، حتى أن الأمر خرج عن المعقول وتجاوز حدود المنطق فأصبحت المباريات هدفا في حد ذاتها، المهم أن يفوز الفريق اليوم وغدا سيكون أمر آخر، ولا تهم الطريقة حتى وإن كانت تنذر بخطر قد يوقف الحلم ويبطل الطعم. فقد نسي الجميع في زحمة الاجتهاد من أجل التخدير أن هذه المباريات وسيلة لبلوغ غاية وهي نهائيات كأس العالم، والاستفادة من أخطائها وتصحيحها يضمن الاستمرار..
الجزائريون والرياضة.. المأساة والملهاة
فعقب لقاء زامبيا الذي كان درسا حقيقيا، انبرت مختلف ""التحاليل"" على الابتهاج والتنويه بخصال المدرب. وتهنئة الفريق بالفوز، ومدحه لأنه أفرح الجماهير، وأدخل السعادة إلى الجزائريين وما إلى ذلك من عبارات الفرحة والاحتفال، ولم يُقدم أي تحليل حقيقي للقاء يتعرض إلى النقائص والصعوبات التي واجهت الفريق ولو من قبيل التحذير وتلافي تكرار تلك الأخطاء. ذلك لأنه لو تلعب الجزائر بهذه الطريقة أمام رواندا ومصر فيمكنها أن تودع كل شيء.
حقيقة أن لكل مباراة خصوصيتها لكن اللقاء ضد زامبيا بيَّن بعض نقاط الضعف في الفريق لعل أهمها إمكانية تقويض لعبه بالسيطرة على وسط الميدان، فقد عجز الفريق على تجاوز هذه المعضلة طيلة المقابلة حتى بدا الزامبيون وكأنهم أكثر عددا. كما أن الدفاع كان مهلهلا، غير متماسك، فلولا الحظ لكانت النتيجة غير ذلك، وحتى الهجوم كان عديم الفعالية، وغلب عليه جانب الاستعراض على الأقل في لقطتين أضاعتا هدفين محققين، رغم قلة الفرص المتاحة.
الفريق الوطني وسيلة لا غاية!
إن إهمال هذه الطريقة في التعامل الطبيعي مع المباراة إعلاميا وتقنيا يؤكد الاستغلال الفاحش للرياضة لأغراض غير رياضية، لأن من يهتم بالفريق الوطني يهمه بناء فريق وطني حقيقي وكبير يمتلك كل إمكانيات اللعب والتألق للانتقال إلى مصاف الدول المتطورة كرويا، لا فريقا مؤقتا موسميا يستعمل للاستهلاك المحلي والتغطية على عورات السلطة في انتظار ملهاة أخرى للتغطية على مآس أخرى.
إن الجزائريين مهزومون ديمقراطيا لكنهم لا يصرون على الانتصار في هذا المجال، إصرارهم على الانتصار على مصر مثلا، ولا يلحون على فرض إرادتهم وحريتهم في اختيار من يحكمهم، كما يلحون إلحاحا على ضرورة التأهل للمونديال، ولا يرفضون ما يفرض عليهم من قوانين جائرة، مثل رفضهم الهزيمة أمام رواندا..
الكرة.. مسكــّن لا يبرئ الأسقام
والجزائريون مهزومون تنمويا، لكنهم لا يطالبون ويناضلون من أجل التقسيم العادل للثروة الوطنية، وحقهم في التنمية الحقيقية، كمطالبتهم سعدان بالفوز بنتيجة عريضة. إنهم مهزومون في حريتهم وحقهم في المشاركة السياسية، ومع ذلك لا تنطلق حناجرهم ضد الباطل والجور، ولا تعبر ألسنتهم عن الحق كما تنطلق في المدرجات، وتهتف وتعبر عن سرورها أو امتعاضها من طريقة اللعب، وعن سعادتها أو تعاستها بالنتيجة.. إنهم مهزومون في دينهم وعقيدتهم والتزامهم ومع ذلك لا يقبلون على المساجد كما يقبلون على الملاعب، ولا يتدبرون ولا يحرصون على الصلاة ومواقيتها كما يتدبرون التحاليل الكروية ويتحرون أخبار اللاعبين وحركاتهم وسكناتهم، وتواريخ المباريات ومواعيدها.
لو ينتقل الجزائريون بنفس حيويتهم الكروية وتحمسهم للمقابلات إلى حياتهم اليومية ومتطلباتها لحققوا المعجزات ولتحولوا إلى شعب مجتهد شعب منتج ومتقدم ولأصبح المجتمع مجتمعا حيا ينتج الأفكار والخيرات المادية، ويجري التغيرات والتحولات بطريقة سلسة وسليمة وسلمية، ولتحولت الجزائر في وقت قياسي إلى دولة متطورة دولة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان قولا وعملا وليس مجرد شعارات يغطي كذبها الاهتمام بمباريات الكرة وإلهاء الناس بتفاصيلها وإغراقهم في تطوراتها...
الوطنية الزائفة..
لا أحد يستطيع أن يزايد عن الآخر في الوطنية، أو يتهمه بالخيانة أو عدم حب الوطن، ذلك لأن الوطن في آخر المطاف هو أنا وأنت، هو الجزائري ومن دونه ليس ثمة معنى للوطن، وقبل التحمس لانتصار في كرة القدم بهذا الشكل الجنوني، يجب أن أتحمس لانتصاري أنا وأنت والآخر على الفقر والجوع والفاقة، أن نهزم الجهل والتخلف، أن نفوز على الظلم والجور والاستبداد، أن نتمتع بالعدل والمساواة، وننعم بالحرية والديمقراطية.. عندها فقط يصبح للوطن معنى، ولانتصاره مضمون، ولنصرته مناصرون هم المواطنون المنتفعون بخيراته المطمئنين لحريته وديمقراطيته وعدله ومساواته.
عند ذلك فقط يصبح التطلع للانتصار في الكرة والرياضة والفن والتكنولوجيا في المحافل الدولية والمسابقات، من تحصيل الحاصل، لأنه سيكون بمثابة المتعة والترفيه اللذين يكملان سعادة المواطن، وهذه هي ـ في أول وآخر المطاف ـ الماهية الحقيقية للرياضة والمنافسات، أي الفرجة والمتعة ومد أواصر الصداقة والمحبة بين الشعوب، وليس كما تقدم اليوم على أنها أفيون الشعوب المأساة الملهاة، أو حرب داحس والغبراء بين الفرق والدول والشعوب.
بارك الله فيك يا استاذ لقد كنت ومازلت قلما جادا وهادفا و يضرب في الصميم زكنت من متابعي كتابتك في كل ال جائرد التي اشتعلت فيها
سيدي هذا هو الشعب الجزائري شعي هواوي من الهوى عشاق بدال لا يهمه الا الحالة التي هو فيه من تشوة ونزوة ومن بعد حديث أخر
لقد صدق احد السياسين كثيرا عندما شببه بالعاشي لاننا فعلا عقليتنا مازالت بعديدة كل البعد عن التفكير السليم الا من رخم ربي والدلالة على ذلا انزل الى مدننا المكتظة عن اخرها
وسترى العجب والفوضى العارمة
يا استاذ كما قال عثمان عريوات رانا تبردينا !!!!!!