درك جديد من دركات التدني والانحدار والهبوط والتخلف والانحطاط قد تمّ بلوغه هذا اليوم وهذا الشهر وهذا العام. فاشهدوا أيها الناس بأننا قد انقلبنا على أعقابنا، ونكصنا على عقولنا، وقامرنا بأرواحنا بـ14 عشر ألف خطوة إلى الخلف وإلى الأسفل. ففي هذا البلد المريض بكوابيسه قبل أمراضه العضوية الحقيقية، استطاع تجّار الوهم وسماسرة التحريز والتخمين أن يتفوقوا على العلماء والأطباء والجراحين، الحاصلين على أكبر وأهم الشهادات الجامعية. بلد أُغْرِقَ شعبُه المريض بمس من شياطين الإنس قبل شياطين الجن، في سراديب الدروشة وأدغال الدجل والشعوذة وهذيان الخرافة. بلد أصبح الناس فيه قطيعا من الخراف الوديعة، يؤمنون ـ كعجائز فقدن آخر ضرس ـ بالمصير المحتوم، ويعتقدون بأن خلاصهم الأخير يكمن في التعاويذ والتمائم والطقوس الغريبة. هي حالة من اليأس الفضيع الممزوج بالتسليم بلا جدوى الوعي. فبدل الإيمان بالقدرة العقلية الراجحة والأهلية العلمية الفاعلة والطاقة الخلاقة للمعرفة الموضوعية العالمة، يشتغل البعض على دفع الناس إلى الانخراط في نوع من الهستيريا والوهم المرتكز على اللامعقول والمتلفع بالغيبيات. خطاب ومشاريع تعتمد على آليات الخرافة والقدرات السحرية التي توفر الحلول لأكثر الأمراض فتكا وأعقد الحالات النفسية المستعصية.
ضمن هذا المنظور الداعي إلى تمجيد الأساطير، العامل في إطار استغفال المواطن البسيط الرازح تحت أطنان المتاعب الحياتية والنفسية، أطلقت إحدى الجمعيات الرسمية ـ لأول مرة في الجزائر ـ مشروعا جديدا يتمثل في ''عيادة حديثة للرقية الشرعية''. هكذا جاء الخبر الإشهاري لهذا ''المشروع العظيم''، الذي سيتكفل بالصحة النفسية والعقلية والجسدية للمواطن الجزائري الذي هو في أمسّ الحاجة إليها، بعد أن عانى الويلات طيلة عشرية حمراء جعلته يرى الأشباح في وضح النهار ويخاصم ذاته كأنها شيطان رجيم. أصحاب هذه ''العيادة الحديثة'' لم ترهبهم اللغة ولا مفرداتها، فهم منذ البداية وبثقة المقاول المحترف انطلقوا في الترويج لمشروعهم على أنه مؤسسة إكلينيكية مجهزة بأفضل التجهيزات ومسيَّرة بأعلى الكفاءات. أما المخطط الاستثماري للمشروع، فقد استفاد أصحابه من قطعة أرض وقفية مساحتها 500 متر مربع لإقامة العيادة، وتحصلوا على غلاف مالي قدره 6 ملايير سنتيم.
وحسب تصريحات رئيس الجمعية، فإن خصوصية العيادة ''تكمن في الجمع بين الطب الحديث والرقية الشرعية، ليحدث التكامل بين الطب والرقية، إذ في حالة استعصاء العلاج العضوي الطبي، يلجأ إلى العلاج بالرقية الشرعية'' (1). وعلى الرغم من وضوح التدليس في هذا الكلام الذي يبرر لتجارة الوهم أكثر من دعوته للعلم والطب الحديث، فإن القائمين على المشروع الذين يبدو أنهم فهموا ميكانيزمات سوق الرقية الشرعية التي أصبحت تدرُّ الملايين على ممتهنيها، بالنظر إلى الإقبال المتزايد للجزائريين على التداوي بالرقية في كل مكان. لقد أصبح معلوما ومعروفا لدى جميع فئات المجتمع الجزائري نشاط الرقاة وكيفية تحويلهم له إلى تجارة يجنون من ورائها أرباحا تفوق بكثير تلك التي يحصل عليها بعض الدكاترة المختصين أو بعض أصحاب المناصب العالية في المؤسسات الحكومية.
وما يثير العجب في الحملات الإشهارية لهذه ''العيادات الشرعية الحديثة'' ادّعاءاتها بمداواة أمراض تطال عدة تخصصات طبية ما يزال العلم المعاصر يقف عاجزا أمامها. فمن أغرب إشهاراتها تأكيدها على علاج الأمراض النفسية وأمراض العيون وتقوية النظر وعلاجها الأمراض الجلدية بشتى أنواعها وإبطال السم وتسهيل الولادة. ولا يتوقف الكذب الإشهاري عند هذا الحدّ، بل يتعداه إلى علاج لدغة الثعبان وفزع الأطفال وقلق الكبار وعلاج الحسد والوقاية من مس الجنون والصرع. في هذه ''العيادات الشرعية'' جدا، يجد العليل إجابة لكل عارض صحي مهما كان، فالنسيان له رقية خاصة به، وكافة أنواع السرطان لها رقية معينة.
بهذا الشكل، تصبح العيادة المختصة إياها تملك سجلا تجاريا معترفا به، تمارس شتى أنواع الشعوذة والدجل دون أي إزعاج من أية جهة كانت. فالرقاة / دكاترة استبدلوا مآزرهم بعباءات وحقنهم بتعاويذ تبطل العين والحسد وتسهل زواج العوانس.
وأمام وضع وحالة كهذه، لا أجد إلا تفسيرا واحدا لما آلت إليه أمور البلاد وأحوال العباد، يمكن اختصاره في بضعة كلمات: إننا إلى عصر الظلام عائدون. وإلا، كيف يمكن تقبّل هذا التردّي وهذا النكوص في سنة 2009 عندما نعرف أن العلامة عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ في ثلاثينيات القرن الماضي كان أول الثائرين على جميع أشكال الدروشة فحاربها بكل ما يملك من قوة، وها نحن بعد ما يقارب السبعين سنة من رحيله نرسمها بسجلات تجارية رسمية. ¯
1 ـ تصريح جاء بجريدة ''الخبر'' اليومي بتاريخ 13 أكتوبر .2009
2 ـ العنوان من اقتراح الصديق الفيسبوكي فارس كبيش.