خريطة الموقع
الأحد 14 مارس 2010م

اللعب بروح الفريق  «^»  فلاسفة الهزيمة  «^»  في عيدها...!  «^»  مسلسل الجنون!  «^»  صراع على "السلاطة" بواسطة زيت الزيتون  «^»  حكاية غير مستقيمة  «^»  العَلَم يا ناس!  «^»  مملكة الشياطين...!  «^»  When to free? ... Viva l'Algerie!  «^»  البرادعي.. البردعة.. ودواب الحارة جديد المقالات


المقالات
بعبارة أخــرى
في المناصب.. وضعف الرجال..


في الصباح الباكر، انطلقت بنا السيارة تتعرج في طريق ملتوية وعرة ضيقة متشبثة بالجبل. وما إن خفَّت المنعرجات، حتى وجدنا أنفسنا في المدينة التي لم تكن تحمل من المدينة إلا الاسم. بضعة مبان حكومية في منعرج كبير سرعان ما تنتهي، بمجرد أن تسترجع الجبال فسحتها وتقترب لتواصل سمرها، مستأنسة بمنازل السكان المتناثرة على جنباتها..

عودة الابن البار
المدينة كانت صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة بتاريخها وأبنائها، فقد شهدت بطولات وأحداثا تاريخية كبرى، وأنجبت أبطالا وكفاءات. اليوم يوم مشهود في حياة هذه المدينة المنسية والحدث عظيم، كيف لا وهي تحتفل بأحد أمجادها وحادث من أحداثها التاريخية، وتحتفي بأحد أبنائها الأبطال المجاهدين الذي غادرها شابا ثائرا وها هو يعود إليها شخصية وطنية.
شارع المدينة الوحيد، أو بالأحرى الطريق الذي يقطعها وبعض الأزقة القصيرة، كانت مزدانة بالأعلام الوطنية وصور الأحداث المحتفى بها. القاعة الكبرى لم تكن لتسع هذا الكم الهائل من الناس الذين هبطوا من الجبال وصعدوا من الفجوج والوديان ومعظمهم من الشباب.. لم يكن معظمهم يهتم بهذه التظاهرة ولا يعرف كنهها، لقد قيل لهم إن الرجل الذي طالما سمعوا عنه قادم ليدشن من مدينته أول احتفالات ما شهدته مدينتهم من أحداث في السنين الغابرة، في سنين عاشها آباؤهم وذهب ضحيتها المئات منهم.

تقصير.. اتقاء تهمة الجهوية
الاحتفال كان كبيرا في هذه المدينة الصغيرة، كان يليق بمقام الرجل القادم من دفات التاريخ.. جلس الرجل النحيف في المنصة يتوسط ضيوفه، ورفع رأسه كعادته ينظر إلى أركان القاعة وهي تغص بالحضور، خلته لم يكن يتصور أن يلقى هذا الترحاب ويحظى بهذا الجمهور. من بين من أتذكر من مرافقيه في تلك الجلسة الأستاذ علي يحيى عبدالنور، والمكلف بالإعلام في سفارة فلسطين بالجزائر. بنبرة العظماء ومنطق الساسة المحنكين وبأسلوب الحكماء، خاطب الرجل أهله وإخوانه وأبناءه..
لم يدخل مباشرة في موضوع التظاهرة، بل بدأهم بما يفكر فيه الجميع، لقد قرأ في وجوههم ذلك السؤال الذي ينتظرون الإجابة عليه، إنه يعرف جيدا أن هؤلاء ما جاءوا إلا من أجله، لأنه لم تعد تهمهم تلك الأحداث التي كلما سمعوا عنها في التلفزيون تحسروا لأنها لم تعد سوى فولكلور سياسي تتغنى به السلطات، دون أن تفيه حقه أو تتصرف بمستواه أو بمستوى التضحية التي قدمها أولئك الرجال والنساء في تلك الأحداث التاريخية..

خراطة ومعاناة دائمة...
في أول كلماته الموزونة، اعترف الرجل أنه ظلم منطقته، وأغمط أهله حقهم، وقال نعم لم نهتم بكم ولم نهتم بمنطقتنا حتى لا يقال عنا جهويون، ولكن أعترف أن ذلك كان إغماطا لحقكم وإجحافا للمنطقة.. وقد كان محقا في ذلك، فالمدينة لم تتطور كثيرا، ولا يربطها بالمدن الأخرى إلا تلك الطريق الضيقة المتعرجة التي تركتها فرنسا، والمواطنون ظلوا يعانون العزلة والحرمان والفقر في مداشرهم..
وقعت تلك الكلمات على قلوب الحاضرين وقوع الدواء على الجرح.. لكن، لست أدري إن كانت كافية ومقنعة لهؤلاء الشباب المشرئبة أعناقهم نحو المستقبل.. ثم خاض الرجل في تفاصيل الأحداث، وكيف خرج الناس في ثورة عارمة، وكيف قمعتهم فرنسا بالحديد والنار وألقت بهم في الوديان والشعاب ومن قمم الجبال، و''شَعْبَةْ لاخْرَةْ'' تشهد على كل ذلك وتزكي كلام الرجل.. بعد المحاضرة، التقينا الرجل (المتحدث مبعوث المجاهد الأسبوعي آنذاك، ومبعوث التلفزيون محطة الشرق، ومراسل جريدة أوريزون..) في إحدى القاعات رفقة المكلف بالإعلام بالسفارة الفلسطينية، وتشعب الحديث إلى الحرب العالمية الثانية وسلوكات هتلر، وكان الرجل ضليعا بالتاريخ يعرف تفاصيله، خاصة في جانبه العربي، ودخل في نقاش مع الممثل الفلسطيني حول موقف هتلر المتناقض مع العرب والفلسطينيين والأتراك...

مفرنس اللسان.. قومي الهوى
لقد كانت تلك الجلسة أول لقاء لي بالرجل، فاكتشفت فيه الرجل الوطني العروبي القومي.. نعم، الرجل كان زواويا حرا ومفرنسا، لكنه كان قوميا يحمل هموم الأمة برمتها.. لقد كنت أرى فيه الشخصية الوطنية والمناضل المجاهد في سبيل تحرير الوطن، فكان عظيما في نظري، لكنه عظم في عيني عندما اكتشفت سعة معرفته وقناعاته القومية.
حدث هذا في ماي 90
المكان خراطة
الحدث جمعية 8 ماي تخلد ذكرى مجازر ماي 45 وتدشن نشاطها لاسترجاع الذاكرة وفضح جرائم الاستعمار..
الرجل طبعا بشير بومعزة.. رحمه الله.
أتذكر أني سألت المرحوم عن مؤسسته، واستغربت الاكتفاء بالذاكرة وعدم مطالبتها بالتعويض، فرد عليّ بهدوئه المعهود: ''معلش يا بني، حنا نطالبوا في الوقت الحالي بهذا، وبعد ذلك سيكون لنا أمرا..''. وأسجل للرجل أنه كان يفضل الكلام بالعربية التي لا يحسنها، وكان بين الفينة والأخرى يستعين بجملته المفتاح ''خلي نڤول..'' التي ظل يرددها إلى أن توفاه الله، ونحسبه من أهل الجنة إن شاء الله، ولا نزكي على الله أحدا.

الشعور بالوحدة.. في زمن الردة
تجربة الرجل على رأس مجلس الأمة وسجاله مع الرئيس أكسبته المزيد من الاحترام حتى من لدن من لم يعرفوه، وأكدت معدنه، وأثبتت أن الرجل لا يقايض ولا يساوم، ولا يداهن ولا يهادن، ولا يبيع ضميره ولا مبادءه من أجل المنصب، كما يفعل كل الذين ناقروه وناصبوه العداء تملقا وتزلفا للرئيس.. في مارس من عام ألفين وثلاثة، كان الرجل يعتزم أن يمنح جريدة الشروق حديثا كبيرا يبوح فيه بكل مكنوناته، التاريخية منها والمعاصرة، فطلب مني الزميل عبدالله ڤطاف أن أتكفل بذلك..
زرت الرجل في إقامته بنادي الصنوبر مرتين أو ثلاث مرات، واستقبلني بحفاوته المعهودة. وعكس كل السياسيين الجزائريين أو معظمهم، كان الرجل مؤدبا غير فظ، متواضعا غير متنطع، ومتحضرا غير متعجرف.. كنت أقضي معه من ساعتين إلى ثلاث ساعات في الجلسة، وقد تفاجأت أنه كان يحب الاستماع أكثر مما يتكلم، فقد شعرت به أنه يريد أن يتحدث بكل حرية حول كل المواضيع، وكان يريد أن يعرف جريدة الشروق وتوجهاتها. وكنت كلما حدثته عن الحوار، يرد: خلي فيما بعد، خلي ندردش بصفة عامة، وأرجو ألا تكتب ما نقوله حتى نرتب الأشياء كما يجب..

مناضل القضايا العربية
سألني عن الشروق أكثر من مرة، فقلت له إنها جريدة وطنية مستقلة تسعى لأن تعبر عن التيار الوطني، تعترف بالديمقراطية وحرية الرأي، وتعمل بشعارها ''رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأيكم خطأ يحتمل الصواب''. ثم بادرني بالسؤال، وكأنه كان يريد مني أن أكمل له ما يحب أن يسمع: أليست قومية؟ قلت له: والله يمكنك أن تقول ذلك، فهي عروبية قومية. عندها، سألني وما رأيك في القومية؟ ولعله لاحظ عدم تحمسي لفلسفتها عندما خلصت للقول بأنها كانت كنظرية حلما جميلا لكنه لم يتحقق، فالفكر القومي فشل رغم توفر كل ظروف نجاحه بعد استقلال الدول العربية. عندها، فتحت له شهية النقاش، وراح يحدثني في موضوع لم أكن أملك نواصيه ولا القدرة ولا الحجج على إدارة نقاش حوله..

لا حديث.. ولا كتاب أبيض!
ومرت كل الجلسات على المنوال نفسه، حتى أنني قلت لعبد الله إن الرجل يشعر بالوحدة، ويبدو أنه يريد أن يتحدث لا أن يمنحنا حديثا. فبمجرد أن نجلس، نخوض في الحديث دون أن يمنحنى أية فرصة لأفتك منه موعدا لإنجاز الحوار الموعود.. كان الرجل يعد بالحديث عن كل التجاوزات في حقه، حتى أنه تحدث عن كتاب أبيض يقال إنه دوَّن أفكاره لكنه لم ينشر..
البعض يتهم الرجل بأنه استنكف عن ذلك مقابل مكاسب مادية خاف أن تضيع منه، وحجتهم في ذلك أنه استسلم في آخر المطاف بحضور حفل من أساء إليه وسلط عليه بمجرد أن وجه له الدعوة.. لكن من يعرف تاريخ الرجل، يستبعد أن يخشى على مسكن في نادي الصنوبر من آثر المنفى على المناصب والمغانم والمكاسب..

.. خلي نقول''.. مات كبيرا
آخر جلسة صادفت سفري إلى العراق في مهمة صحفية قبيل الاجتياح الأمريكي فقلت له ''سيدي الرئيس''، أنا سأسافر إلى العراق، فأرجو أن نجري الحديث. فرد عليّ، وكأنه فرح بالمهمة: آه جيد، ومتى ستسافر؟ قلت له في اليوم ''ي''، فحمل السماعة واتصل برجل، سمعته يقول: ألو، فلان، والله عندنا صديق أخ صحفي سيزور العراق في اليوم الفلاني، أرجو أن تقومو بيه..
وضع السماعة ثم نظر إليّ مبتسما: هاني كلمت لك مستشار الوزير الفلاني، سيتكفل بك. وكان الأمر كذلك.. واكتشفت في العراق أن الرجل صديق لمعظم مسؤوليه، ويحظى باحترام وتقدير كبيرين.. ثم أردف قائلا: ''أما الحديث، فروح على بركة إلى العراق. وعندما تعود، سنجريه إن شاء الله''.. الأمر الذي لم يحدث مع الأسف..
تذكرت الرجل وأنا أقرأ عن وضاعة من ناصبوه العداء وحاربوه بالنيابة في معركة السجال السياسي التي خاضها مع الرئيس لإرساء تقاليد سيادة القانون واحترام الدستور ورفض حكم الهوى والنزوات واستغلال مؤسسات الدولة لتصفية الحسابات وإرساء تقاليد المحاباة.. و''خلي نقول'' إنه كان مناضلا كبيرا، ومجاهدا كبيرا، سياسيا كبيرا، ومسؤولا كبيرا، ورفض أن ينزل إلى مرتبة الصغار معارضا، ولا أن يلعب لعبة الصغار رئيسا لمجلس الأمة، لقد عاش كبيرا ومات كبيرا أيضا، وسيحشر إن شاء الله في زمرة الكبار.

نشر بتاريخ 13-11-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 3.80/10 (67 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[ابوزكرياء] [ 05/12/2009 الساعة 3:54 مساءً]
يذهب الرجال ويبقى فكرهم ونضالهم ويستاسد اشباه النسوان ولكن من شاء او ابى سيقهرهم حيض الزمان....
ليت الله اطال عمره ليرى هبة شعبه واخوته الجارفة لينام قرير العين...
ماذا اقول وما ذا تنفع الاقوال ...
ماذا اقول في زمن الغدر والبهتان....
رحمه الله واسكنه جنة الخلد.... والله يمهل ولايهمل

 



من الأرشيـــف

ضيف النقــاش : عمّي لخضر بورقعة

مهري:الدبلوماسية الجزائرية تسير ''على باب الله''

حكاية اسمها : غــزّة

الملاحـــق






Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2009 www.elkhabar-hebdo.com - All rights reserved


الكاريكاتير | المقالات | الأخبار | خدمات | الرئيسية