وأنا في البيت أتفقد بعض الوثائق إذ بي أسمع ابني يصرخ على غير عادته من نافذة بيت الاستقبال: ''تفوه عليكم يا كلاب.. تفوه عليكم.. تفوه عليكم''، وأمه ترد عليه بغضب واستغراب: ''آه يا شريف عيب عليك،، اسكت أنت لا تستحي.. أحشم أحشم، عيب عيب''.. هرعت نحوه فكانت أمه قد سحبته بعنف وراحت تلطمه على فمه متعجبة: ''هكذا يديروا الناس، هذه هي التربية مالك تقول هذا الكلام أم أنك جننت مذ حللنا هنا هذا ما تعلمت..''.
وإذا الطفل كره شيئا..
فرد عليها قائلا: ''لالا يا ماما هذوك مصريين الفايحين اللي قاعدين يسبوا فينا ويعايرونا كي ربحناهم في البالون''.. وكأني به أراد أن يقول أنه من واجبه أن يشتم المصريين لما فعلوه وقالوا عن الجزائريين.. وقفت مصدوما مشدوها لهول ما أسمع فابني لا يتجاوز السابعة من عمره، ولا يعرف معنى الكرة ولا التصفيات بل ليس من اهتماماته متابعة كرة القدم على الإطلاق..
انفردت به وحاولت أن أفهمه بأن ما قام به ليس من الأدب بل من القبح ما يجعله طفلا غير مؤدب وغير متخلق.. وأنه عمل غير صالح من أعمال الشيطان وأن الله سيغضب منه لأنه بصق وشتم أناسا لم يمسوه بسوء، وارتكب إثما كبيرا.. لكن الشريف أصر وألح أن ما قام به كان يجب أن يقوم به كرد على ما سمع، قائلا: ''كيفاه بابا هما يسبونا ويشتمونا وحنا نسكتوا عليهم''.. قلت لا يا بني الذين يشتمون يشتمون أنفسهم لأنهم أناس غير مؤدبين وسيتولاهم الله على ما يقولون، ثم إن الذين يشتمون ليس هؤلاء الذين مروا في الشارع..'' فقاطعني قائلا أو ليسوا مصريين؟''..''بلى يا بني إنهم مصريون ولكن هم لا ذنب لهم فيما يحصل ولا أحد يتحمل وزر الآخر ومن يدريك فقد يكونون ممن يرفضون ما يفعله رؤوس الفتنة في مصر..''
المصريون كالجراد..
''ثم أنت من أدراك بأن المصريين يسبوننا'' سألته مستغربا ونحن لا نسمع ما يقولون كما أنني كنت حريصا على ألا يصل مسامع أبنائي ما يدور من لغط وتنابز بالألقاب عقب المباراة فقد اكتفى أبنائي بنشوة الفرحة بالانتصار والتأهل وفقط.. لكن شريف شذ عن القاعدة، مؤكدا: ''قال لي أصدقائي في المدرسة أن المصريين شتموننا بأسوأ الشتائم وقدحوا فينا كلاما مسيئا لم يسبقهم إليه بشر، والكل يتحدث عن ذلك..''. قلت لا يا بني المصريون إخواننا وإن أخطأ بعضهم في حقنا، وأنت يا بني صغير ولا يجب أن تنساق وراء هذه الفتنة التي تخفي أشياء أكبر منك بكثير ولا يمكنك أن تفهم كنهها الآن، فأرجوك استغفر الله ولا تعد إلى مثل هذا العمل لأنه يغضب الله''..
سكت ابني ولا أخاله اقتنع بكلامي، وطأطأ رأسه مبديا سمعه وطاعته عن مضض، قائلا: ''خلاص بابا لن أعاود مرة أخرى. ولكن أنا لا أحب المصريين.. لا أشتمهم لكن لا أحبهم..''. وليت الحكاية توقفت عند هذه الحدود، يبدو أن ابني أصابه غضب وكره شديدان تجاه المصريين حتى أن هاجس هذا مصري ظل يطارده كل يوم وفي كل مكان.. أينما نحل يقول لي: ''بابا هذا مصري هذا الطبيب مصري، هذا الذراري مصاروة، هذا اللي يبيع مصري، هذا الإمام مصري.. بابا المصريون في كل مكان كالجراد.. إنهم أكثر من الهنود إنهم يملأون الدنيا''..!
سلوكات تجذر الاعتقاد..
فزعني ابني فحاولت أن أتظاهر بعدم الاكتراث ليكتشف لوحده أن الأمر عادي، ثم شرحت له بهدوء أن المصريين موجودون بكثرة لأنهم كانوا أول العرب هجرة إلى دول الخليج ومن مختلف الأعمار والفئات والمستويات بينما الهجرة الجزائرية والتونسية نحو الخليج جديدة وحديثة، ونوعية، فقد كانت في البداية باتجاه أوروبا وتخص اليد العاملة العادية، وبعض الإطارات فقط.. ثم أردفت قائلا: ''وأنت مالك والمصريين، لماذا تسأل عنهم في كل مكان، دعهم وشأنهم'' ثم صعدت اللهجة معه: ''شوف يا شريف إن لم تنته عن هذا الأمر لأضربنك ضربا مبرحا خلاص خليني من اهتمامك بالمصريين..''.
حقيقة أن هوسه بالمصريين خف إلى درجة اعتقدت أنني تخلصت من هذا الهاجس لولا حادثة المسجد التي أعادت كل شيء إلى نقطة البداية.. فمن عادة الشريف أن يرافقني إلى المسجد، وكنت أحرص على ذلك حتى يتعود على التردد إلى المسجد ويحبه فهكذا أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم، وحدث ذات يوم أن حمل شريف المصحف من مكان وعندما فرغ من القراءة وضعه في مكان آخر فأمرته أن يعيده من حيث أخذه ففعل، وإذ بالإمام ينهره ''أأعد يابني، اجلس اجلس..''، مسكته من يده وأجلسته إلى جانبي فقال مستنكرا.. ''بابا واش بيه هذا الإمام، لقد وضعت المصحف وسأجلس ماله..''.. فقلت: ''له لا يا ولدي قال لك اجلس في مكانك لأنه اعتقد أنك تلعب بالمصحف..''. أسرها ابني في نفسه ولم يعقب..
ومن الأئمة من لا يختلف عن الدهماء!
وبعد إقامة الصلاة نظر الإمام إلينا وكنا في الصف الأول فأمر شريف بالرجوع إلى الصف الثاني رفض الشريف أن ينصاع فمسكته من ذراعه وأرجعته إلى الصف الثاني.. وعندما فرغنا من الصلاة راح يوخزني لأعجل في الخروج ولم يطق البقاء حتى أكمل التسبيح.. ونحن نهم بالخروج نظرت إلى وجهه فرأيت عينيه مغرورقتين بالدموع، وما إن خرجنا حتى انفجر بالبكاء مستغربا: ''ما دهاه الإمام يحقد علي، لماذا يقول لي إرجع إلى الوراء وأنا أول من حجز هذا المكان في الصف الأول، هذا إمام زعمة؟''.. ثم أردف قائلا، وكأنه وجد الحجة ''شفت أنا قلت لك لا أحب المصريين''، ثم أقسم قائلا ''والله لن أعود إلى هذا المسجد مرة أخرى..''.. ''لا لا يا بني لا تغضب فالإمام لا يقصد أن ينهرك لأنه من الأفضل أن يصلي وراءه مباشرة أناس كبار حتى إذا سها أو أخطأ يقومونه.. وهكذا كان السلف يخلفون الأطفال إلى الصفوف الأخيرة.. ولا ضير في ذلك..''.
ليسوا سواء.. يا ولدي
''لالا يا بابا، أنت دائما تأمرني بأن أسرع لنصلي في الصف الأول وتقول لي أن الصلاة في الصف الأول أفضل، ثم لماذا الإمام في المسجد الفلاني لم يكن يقول لي إرجع إلى الصف الثاني.. لالا بابا قلت لك أن المصريين سيئون''، ''وذاك مصري أيضا يا بني'' أجبته حتى لا يسيء الظن.. انقطع شريف عن المسجد وما هي إلا أيام حتى نسي الحكاية وعاد معي إلى المسجد، وما كدنا ندخل حتى أقيمت الصلاة فوقفنا في الصف الثاني وإذا بالإمام في الصف الأول ينتظر تخلف من يقيم الصلاة ليدخل المحراب وبجانبه طفل صغير، فأشار له أحد المصلين أن أرجع الطفل إلى الوراء لكن الإمام رفض ومسح على رأس الطفل مباركا بقاءه في مكانه..
جرى كل ذلك وشريف يتابع المشهد باهتمام وعلامات الاستهجان بادية على ملامحه ينظر إليهم تارة ثم يلتفت إليَّ تارة أخرى.. وما إن فرغنا من الصلاة حتى بادرني قائلا: ''شفت هذا علاش خلاه يصلي في الصف الأول ووراءه مباشرة أليس طفلا، لأنه مصري أيضا وقد يكون ابنه، قلت لك المصريين كلهم كيف كيف كالمصلي كتارك الصلاة..!؟''.. لم أجد ما أقوله فقد أفحمني بحججه، سوى أن أكدت له أن المصريين ليسوا سواء منهم أمة طيبة يستنكرون ما فعل السفهاء منهم، كما أن الجزائريين ليسوا سواء أيضا..''.
من يصلح ما أفسدتموه عندما تنقلبون!
هذا كله نتاج تعامل سيء مع مقابلة في كرة القدم، هذا نتاج التوظيف السياسي للعبة من المفروض أنها تقوي أواصر الأخوة والصداقة وإذ بها تتحول إلى مأساة غرست الحقد الدفين في أنفس الأجيال فكم في مصر والجزائر من شريف وما خلفته تلك الحملة في أنفسهم البريئة.. فرؤوس الفتنة سيعودون وقد ينقلبون ويقولون في الجزائر عكس ما قالوا تماما بمجرد أن تأتيهم الأوامر، كما أتتهم أول مرة لأنهم مرتزقة مأجورون، لكن من ينزع الحقد والضغينة التي خلفتها حملة السباب والشتم؟! ¯
إن تصرف ابنك كان منطقيا. هل تظنه يفكر بمستواك و الرقابة التي تفرضها على نفسك(الدين ، اللغة ، القومية...). فقد حز في نفسه ما سمع من شتائم و قدح ونكد مس كل الجزاريين احياء واموات و هذا كله لأن فريقنا فاز على فريقهم. اتقبل من اخيك ان يعايرك بكل ماهو دنيئ و قبيح لأن مثلا ابنك فاز على ابنه في مبارة ما ؟
[شيخي] [ 23/12/2009 الساعة 4:31 مساءً]
و الله يا اخي لا ادري ما نقوله و من اية زاوية ندير وجوهنا فقد كان الهجوم المصري شاملا لحق حتى شهدائنا و شرف نسائنا و الادهى ان تقريبا كل المصريين شاركوا فيه حتى عقلائهم امثال صبحي و وضعونا في كيس واحد فمن علمائنا حتى مشردينا ...و الله لا ندري ما نفعل...اللهم جد لنا حلا فالامة محتاجة الى وحدة و نحن في هته الحالة
[أحمد الجزائر] [ 21/12/2009 الساعة 9:48 مساءً]
صدقت لقد تغلغل فنا كره المصرين بما سمعناه منهم من شتم و تحقير و خاصة شتم الشهداءالحق الحق ما حصل لا يمحا من ذكرتنا و بيقى فى التريخ حتى بعد مضى عدة أجيال
[نوال ] [ 20/12/2009 الساعة 11:30 صباحاً]
المصاروة كامل كيف كيف كيما قال ابنك واسمحلي على هده الكلمة واعلم ان ابنك قد صدق حدسه وأرجو أن تقتنع أنت الأخر بهذا الكلام فإنه يوجد في النهر مالا يوجد في البحر وما أدركه إبنك هو الحقيقة يا سيدي
[billal] [ 19/12/2009 الساعة 9:07 مساءً]
ايكفي مشاكل الامة لتحكي مشاكل ابنك و الجزائر حطمت الرقم القياسي في الهموم لتحكي قصة ابنك