يكاد يجمع الجزائريون أن ما دفع جميلة بوحيرد إلى نشر رسالتيها لم يكن الحاجة ولا الفاقة ولا الفقر ولا العلاج، إنما تكون أرادت أن تضرب جهة ما بالثقيل ضربة مدمرة، وهي تعرف جيدا مفعول مثل هذه التفجيرات في مثل هذه الظروف وقد فعلت قنابلها فعلها الذي فعلته في وجه الاستعمار الغاشم أثناء الثورة. لكن لم يستقر رأي الجميع حول الجهة المستهدفة من هذه ''العملية الجديدة''..
بوحيرد.. وألسنة السوء
جميلة عرفت جيدا كيف تستغل الفرصة المواتية، والظروف الملائمة ليكون لقنبلتها دويها الهائل.. فلم تجد في طريقها حاجزا أمنيا، ولا أسلاك شائكة، ولا من يسألها إلى أين هي ذاهبة أإلى الشاطئ أو الغابة أو إلى تاغارا أو المرادية أو إلى السوق.. انبرى الكثير من السياسيين والمحللين ورفقاء المجاهدة والصحفيين على محاولة تفسير ''عملية'' جميلة الأخيرة، فمنهم من أيدها إلى درجة التضليل، ومنهم من عارضها ومنهم من أثنى عليها ومنهم من انتقدها إلى درجة التحامل، وفريق ثالث أذرف عليها دموع التماسيح فبكاها من بكى وندبها من ندب، كل حسب هواه أو حسب ما طُلب منه، أو وفق تحالفاته، لكن لا أحد أنصف السيدة بمن فيهم هؤلاء الذين أيدوها وطبلوا لها، أو بكوها دموعا أو مرثيات أو معلقات..
رمية من دون رامٍ
من حق السيدة بوحيرد أن تقول ما تشاء وتنتقد من تشاء، تصادق من تشاء وتعادي من تشاء تؤيد من تشاء وتعارض من تشاء.. وتخوض من المعارك ما تشاء، ضد من تشاء وأن تختار المكان والزمان الذي تريد وعلينا أن نحترم ر أيها ونؤيدها لأن ذلك حقها علينا.. ولأن السيدة مجاهدة شريفة جاهدت جهادها في سبيل الله خالصا لوجه الوطن ولم تطلب المقابل ولم تقبل به، مناضلة نقية نظيفة لم تلوث سجلها لا بالمناصب ولا بالمكاسب ولا بالفساد والاختلاس ولا بالظلم ولا بالجور على الناس.
وبالنظر إلى كل ذلك من حق الجزائر والجزائريين على السيدة بوحيرد أن تبقى شامخة مترفعة كما كانت دائما فإن أرادت أن تخوض معركة أن تختار بعناية واحتراف سلاحها كما عهدناها، وأن تفرق عندما تضرب بين العدو والصديق فلا تضرب ضرب عشواء.
لقد كانت دائما تعرف كيف تحدد هدفها بعناية. السيدة صمتت كثيرا وقد طال صمتها وكان يجب أن تتكلم وتقول وقولها مسموع ومؤثر وتنتفض لأنه من حقها أن تنتفض ضد التقهقر العام، والتردي المخزي، والردة الشاملة، وقد تأخرت كثيرا، فقد بلغ السيل الزبى ولم يعد في البلاد ما يَصلُح أو يُصلِح وقد عم الفساد والظلم والحڤرة والاستبداد والتجبر والطغيان...
ليس فيهم رجل.. رشيد
فبغض النظر عما إذا كان هدف السيدة بوحيرد هو ضرب، أو إدانة الحكومة في الجزائر أو رئاسة الجمهورية أو المؤسسة العسكرية، أو النظام برمته، لأن الجميع يستحق ذلك وأكثر فليس فيهم رجل رشيد، بل الكل يستحق أن ينسف من وجه الأرض أو أن ينفى إلى الجحيم، فإنها لم تختر نوعية السلاح المناسب، ولا التوقيت المناسب ولا المكان المناسب ولا العملية المناسبة، فكانت الضربة مدمرة.
لقد عودتنا السيدة الكريمة بعمليات فدائية نوعية انتقائية أعطت حرب التحرير بعدا دوليا هائلا، وأخلطت كل حسابات واستراتيجيات جنرالات الحرب الفرنسيين، وأكسبت الثورة زخما شعبيا وعالميا كبيرين، وخرجت من كل ذلك منتصرة شامخة لم يمسسها سوء رغم حكم الإعدام الذي أصدرته ضدها المحكمة الاستعمارية.
انتحار على ''أطلال'' الاستقلال!
رسالتا السيدة بوحيرد الملغمتان لم تكونا عملية فدائية ولا استشهادية، لقد كانت انتحارا كبيرا على ما تبقى من أسوار الاستقلال التي تآكلت بفعل مساوئ عشريات الأحادية، والتسلط والاستبداد، والاقتتال والدمار، والردة إلى سنوات الكبت والحرمان والديكتاتورية والطغيان وتسخير الشعب ومصالحه لخدمة النظام ومآربه..
قد تكون نية السيدة المجاهدة قول كلمة حق في حضرة نظام جائر، لكنها لم توفق في اختيار الرسالة فلم تظهر بمظهر المجاهدة الثابت ولم تكن وفية لرفعتها وسموها وكبريائها فسقطت في فخ الشكوى لغير الله، ومعروف أن الشكوى لغير الله مذلة، لقد ارتضت أن تقدم نفسها مريضة عليلة محتاجة تنديدا بالظلم والجور الممارس على أبناء الوطن.. عملية بوحيرد كانت انتحارية دمرت الجميع: هوت بالمجاهدة الفذة وكبريائها، وهزت سمعة الوطن وصدمت المواطن فيما يفخر، وسودت وجه النظام سلطة وحكومة...
ليتها انتفضت بما يزيدها تشريفا وتكريما
فليتها اختارت سلاحا آخر غير الحاجة وهدفا آخر غير العلاج، لأن جميلة بوحيرد من المفروض أنها أكبر من هذا بكثير، إنها من مصاف الذين يبيتون على الطوى ويظلونه حتى ينالوا به كريم المأكل. ليتها انتفضت في وجه الظلم والاستبداد بسلاح تزداد به تكريما وتشريفا ورفعة، فتفضح النظام وتُلحق به لعنة وإدانة ومقتا، فتكْبُر أكثر في أعين الناس وتكْبُر بالوطن والمواطن.
كان يكفي السيدة جميلة بوحيرد، وهي من هي، أن تندد بلاشرعية الحكم وبلاشرعية الحكام سواء هؤلاء الذين خرقوا الدستور وأعادوا خياطته على مقاسهم دون وجه حق، أو هؤلاء الذين يحكمون البلاد ويقررون مصير العباد بقوة الأمر الواقع دون أن يختارهم أحد أو يفوضهم أحد أو يزكيهم، لتقتص لنفسها ممن خانوا ذاكرتها ونكثوا عهد الشهداء وكذبوا وعدهم، وداسوا تضحياتهم، ولطخوا صورتهم، وتنتقم للوطن من الذي عاثوا فيه فسادا، وفسقوا فيه واختلسوا أمواله، وبددوا خيراته.. وتفضح ممارسات من استعبدوا الجزائريين وأهانوهم في عرضهم وكرامتهم، واعتدوا على حرياتهم وبخسوهم أشياءهم، وانتهكوا حقوقهم..
جميلة أكبر من أن تسأل الناس...
السيدة بوحيرد ليتك اخترت سلاحا آخر سلاحا مناسبا في المكان المناسب والتوقيت المناسب وبالطريقة المناسبة كما كانت تفعل جميلة.. لأننا لن نرضى لك هذا المآل نريدك شامخة مرفوعة الهامة كما عهدناك لا يصيبك ضمأ ولا نصب ولا مخمصة، ولا يهدك مرض، ولا يحنيك سقم ولا حاجة فدائية استشهادية لا انتحارية... إنك بكل بساطة أكبر بكثير من أن تسألي الناس أعطوك أو منعوك.. ¯
إلى كاتب المقال : لم أفهم!!! أنضرتك لجميلة بوحيرد و تاريخها النضالي محدودة أم أنت على درجة عالية من الغباء (آسف على هذا التعبير لكن للأسف تستحقه).
- تقول أنها "لم تختر نوعية السلاح المناسب، ولا التوقيت المناسب ولا المكان المناسب ولا العملية المناسبة، فكانت الضربة مدمرة"
- أقول لك منذ متى كانت جميلة تختار السلاح المناسب و التوقيت و المكان المناسبين و لا حتى العملية المناسبة؟؟؟ لقد كانت تنفذ الأوامر و فقط.
- بدون إطالة و بالمختصر المفيد أريدك أن تفهم بأن جميلة بوحيرد تجيد تنفيذ الأوامر و فقط (من شبّ على شيء شاب عليه)
- أترك لك حرية التعمق في خلفيات كلامي هذا
- كما أترك لك كذلك حرية نشر تعليقي من عدمه
- سلام
[karim alger] [ 27/12/2009 الساعة 11:42 صباحاً]
أشكرك أخي عن هذا المقال الشيق و الجيد فقط أقول لك عيش سعيد لاتخاف على الجميلة فهي دوما شامخة ورفاق دربها الذين أخرجوا المستعمر الغاشم لنعيش في وطننا الحبيب ، نعم يبدوا لك أنها لم تختار سلاحا او وقت مناسب الخ ، أخي جميلة
الله غالب تدري جيدا وتعي ماتقول وهي في كامل قواها العقلية والفكرية فقط انني ارى وهذا رأيى جميلة لم تتحمل سنين الجمر أي الحقرة والتهميش الذين سلكه أناس غرضهم طمس والتشكيك في تضحيات الابطال الذين أفرحو الشعب الجزائري أثناء الحقبة الاستعمارية كما تم طمس ونسيان مثلا ان صح التعبير بعض من عناصر المنتخب الوطني الجزائري 82 والمعروف عن الساسة الجزائرية الاقصاء والتنكر والسلام