بحثت طويلا عن عنوان يناسب موضوع مقالي هذا فلم أجد عنوانا أفضل من وصف "المخدوعة"، لأن جزائر اليوم أضحت بفعل انتشار رقعة وباء الفساد واستشراء الرشوة واستغلال النفوذ بلدا وشعبا مخدوعا في الصميم. بات الفساد لغة العباد الأولى، فلا شيء يمكن القيام به أو إنجازه دون أن يتسلل فيروس الفساد إليه وخارج سلطة المرتشين لن يحقق المواطن "النظيف" أدنى مصالحه. الفساد سيد المواقف جميعا، فمن أتفه الأمور إلى أعظمها شأنا ومن أبسط درجات المسؤولية إلى أرفعها أضحى العامل المشترك والأساسي والحاسم فيها يسمى باسمه الحقيقي: الفساد. ففي جزائر 2010 أصبح عامل النظافة كما الوزير وكل من يوجد بينهما من خلائق بلا أخلاق. الكل مشترك في الفساد والخداع والمكر والزيف والجميع متفق على النهب والاختلاسات.
تفوقنا في ألاعيب الفساد المالي والاقتصادي والثقافي فحصلنا من منظمة الشفافية الدولية على مرتبة مشرفة جدا بين المفسدين، فليس هناك أي قطاع من قطاعات المجتمع الجزائري سلم من أنياب النهب الحادة وأظافر الرشوة المتسخة. الوقاحة والأخلاق الواطئة جعلتنا في قفة واحدة، فلا أحد اليوم ينكر بأن الرشوة أصبحت رسما ثابتا في كل المعاملات، بل لا أحد يستنكر هذا الوضع الغريب والخطير. فالأستاذ يتقاضى رشوته من التلميذ ومن الطالب فيحصل الغبي على مقعد الذكي. ورجل السياسية ينهب المشاريع ليحصل المقاول الرديء على صفقات المقاول الجيد. والرياضي يزيّف نتائج المقابلات فترى الحكم الحقير يشهر بطاقاته الحمراء في وجه اللاعب الماهر تاركا اللاعب التافه يعيث فسادا وهرولة في المستطيل الكالح. أما قطاع الثقافة، فلقد بات مرتعا لقطّاع الطرق والسماسرة ومصاصي الصفقات المغشوشة حيث أصبح "السرّاق الثقافيون" يلعبون على المكشوف ويمارسون هواية السطو في كافة مناسبات النشر وجميع مهرجانات الطبل والزرنة، التي حولها هؤلاء المتواطئون على الإثم إلى مواعيد للسطو على أموال الشعب ونشر ثقافة الدعارة السياسية والاجتماعية.
في هذه الجزائر المخدوعة هناك ثلاث ضحايا مؤكدين: الوطن والمواطن والفضيلة، والأكيد أيضا أنه ليس من علاج لكافة الضحايا بشكل استعجالي سوى ميسم واحد عنوانه العدالة المستقلة وتطبيق القوانين بكل صرامة ضدّ كل من تسوّل له نفسه مدّ اليد إلى مال غيره. لا يمكن ـ يا سيّدي رئيس الجمهورية ـ لأحدٍ أن يحميه منصبه أو نفوذه من سيف العدالة وبطش قوانين الجمهورية. ولكي يصبح هذا الوضع ممكنا في هذه الأرض العجيبة، فإنه من الضروري والاستعجالي تسليط الضوء والعقوبات على جميع المرتشين واللصوص، بدءا بالوزراء وأبنائهم المتورطين في القضايا التي أصبحت في علم المواطنين، مرورا بالولاة والإداريين والمقاولين والمواطنين الملوثين بهذا الداء الرهيب. إن القضاء على الرشوة والوساطة والمحسوبية أمر لا مناص منه وإلا سيحل الخراب قريبا على الجميع.. ومحاربة هذا الأفعوان لا يمكن أن تحصل عندنا إلا إذا منعنا بالفضح الإعلامي وبالمحاكمة الحقيقية لا الصورية وبتسليط القانون بكل صرامته وعلنيا في حقّ كل مستغل للسلطة وضدّ كل مستخدم للنفوذ وضدّ كل مجرم.
لقد سئم الجزائريون إصدار اللوائح والتعليمات الحكومية الداعية لمحاربة الرشوة ومكافحتها وسئموا أكثر أخبار الاجتماعات الوزارية التي يجتمعون فيها ليقروا بأنهم جزء من هذا المرض المزمن وبأنهم يتهكمون على الجزائر المسكينة.. الجزائر المخدوعة.
هل هذا عنوان مسلسل يعرض منذ 62؟!!!!!!!!!!!
mon précieux!!!!!
[DIDA Lahcen] [ 11/02/2010 الساعة 3:20 مساءً]
شكرا للاستاذ و استسمحه عدم اختيار عنوان النص . و بحكم تجربتى الطويلة و المؤلمة .و بالرغم من وصول الفاحشة ذروتها . فالجزائر لا تخدع من الداخل ولا من الخارج و هاذا سر مؤسس عبر الزمن . صحيح ان نسبة ضعفاء العقول متفوفة فى الوقت الراهن و لكن هذا لا يهم اولى الالباب و الذين يحسب لهم عند الخالق قبل المخلوق . و شكرا مرة اخرى .