بعد عشرين سنة من النشاط والمعارضة، تخللتها فترات كان فيها الأرسيدي سمنا على عسل مع السلطة، أعلن الدكتور سعيد سعدي، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، فجأة قبل أسابيع عن تجميد نشاط حزبه، وهو القرار الذي أعطى له القيادي في الأرسيدي، جمال فرج الله، العديد من القراءات، أبرزها أن ذلك قد يكون تواطؤا مع السلطة أو إرضاء لجناح منها·
الدكتور السلاّخ!
ب· علاوة
يُعرفُ سعيد سعدي بأنه صاحبُ لسانٍ لاذعٍ وكلماتٍ تَسلَخُ سلخاً· آخرُ خرجةٍ له في هذا المضمار كان ردُّه عن سؤال عمن يُرشحه للفوز بالرئاسيات الأمريكية·· ''عبد العزيز بوتفليقة''! فهل هومهووس بالرئيس إلى درجة تنمحي معها الجغرافيا ويختلط التاريخ؟ بالقطع لا!
حتى وهو يهنيء الرئيس الأمريكي الجديد، فإنه يبقى مسكونا بالهم الجزائري· إنه يشير إلى أن التغيير في الولايات المتحدة الأمريكية ''حدث في إطار سلمي ووفقا لاحترام الدستور''، ناسيا أنه يتكلم هنا عن أحدِ أعرقِ الدساتير وأكثرها رسوخا في العالم· ربما لا يجوز هنا أن نظلم سعيد سعدي، فما هو بديهي بالنسبة لعالمٍ عريقٍ في الممارسة الديمقراطية وكاملٍ التكوين من حيث نضج مؤسساته، يظل إنجازا ينتزع انبهارنا، نحن الذين لم نذقْ طعمَ الديمقراطية أبدا· يبدو أنه محكوم على هذا المناضل العنيد العتيق من أجل الهوية الأمازيغية والمنشق عن جبهة القوى الاشتراكية العتيدة، ألا يكفّ أبدا عن تكرار نفس الخطإ بالنسبة لطبيعة المجتمع الذي جاء منه· مقولته الشهيرة ''لقد أخطأنا المجتمعَ'' التي قالها عقب تشريعيات حامية الوطيس فاز بها الـ''فيس'' المحلّ، لا تزال بعد قرابة العشريتين تقدم خلاصة تجربة مريرة في زرع الديمقراطية في مجتمع أخطأ طريقَه إليها لدى أول وآخر فرصةِ اقتراعٍ عامٍ حرٍّ· الشعبُ الموتورُ من مسؤوليه فضّل خطابَ ''المحاكم الشعبية والمشانق في الساحات'' على الوعود بديمقراطية لم يذقها في حياته، فضلا عن كونها تتيح وصول ''دعاة اللواط والشذوذ الجنسي'' إلى الهيئة التشريعية ومن هم على شاكلتهم من المُتغـرِّبين واللائكيين ''ممن سيحكمون بغير شريعة الله''· ولأنه بقي معدودا على الفئة الأخيرة في المخيلة الشعبية خارج معقله القبائلي، فقد استمر حزب سعيد سعدي، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، يحمل غِـيـتُـوّهُ أنّى حلّ وارتحلَ· وفي ذلك ما فيه من سبب لسعادة نظامٍ يسيرُ بالتقهقر ويُلجيء المُشوِّشين عليه إلى استنفاد طاقاتهم بأنفسهم في مطالبات دوما متكررة ومعادة لحدّ السماجة·
آخر الأوهام
بعد التعديلات الدستورية ''الجزئية المحدودة'' الأخيرة، فقد سعيد سعدي ومعه المعارضة آخرَ الأوهام في إمكانية تغير النظام من الداخل أو حتى من الحوافي، وفي إمكانية تغيير سلمي للسلطة· نواب الـ''أر سي دي'' في ''البرلمان'' كانوا قاطعوا جلسة المصادقة على تلك التعديلات· كانت أقصرَ جلسةٍ في تاريخ الهيئة التشريعية جلسةٌ رُفعتْ فيها الأيدي على الطريقة المتبعة في أعرقِ النظم الشمولية· وقد برزت من بين شجرة الأذرع المرفوعة في تحية ذات إيحاءات مزعجة، يدٌ مخضّبةٌ بالحناء، يدُ ''الزغراتة'' لويزة حنون التي لا يُستبعد أن تترشح للرئاسيات من قبيل تسخين الطبل وملء الفراغ· ''المشاركة في مثل تلك المنافسة هي مرادف للتورط في عملية إذلال وطني·· رفْضُ المشاركة في ذلك السيرك الخطير الذي يدعو للرثاء هو عمل سياسي، وفي نفس الوقت عمل تمليه الكرامة''· بهذا رد الدكتور على دعوات زعماء التحالف الرئاسي الثلاثة إلى الطبقة السياسية بعدم مقاطعة الرئاسيات القادمة، وكان في رده هذا وفيا للصورة التي يكونها عنه أنصاره وخصومه على السواء، صورة السلاّخ·
وكما كان منتظرا، فإن هذا ''السلخ'' من قِبل سعيد سعدي ما كان ليمر دون ''سلخ مضاد'' من أبواق السلطة، حين قال الوزير الأول ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى إن ''من يخونه طالعه يدّعي أن به سحرا''، مرجعا قرار مقاطعة الرئاسيات من قبل المقاطعين إلى ''مشاكل داخل أحزابهم''· الرجلان من منطقة واحدة، واتبع كل منهما خطا مغايرا للآخر في صعوده السياسي، وقد يرى البعض أن ما يربط بينهما هو أكثر من التمازيغت وتعبير ''التجمع'' الذي اختاراه يافطة لحزبيهما· وفي الحقيقة، فهناك أكثر من متتبع للحياة السياسية المحلية يعتقد أن كلا من التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والتجمع الوطني الديمقراطي نشآ بإيعاز من السلطة، الأول لإضعاف جبهة القوى الإشتراكية، حزب المعارضة الأقدم في الخريطة الحزبية الجزائرية لمؤسسه وزعيمه حسين آيت أحمد، والثاني ليكون حزب السلطة في وقت كانت جبهة التحرير الوطني بقيادة عبد الحميد مهري قد انضمت إلى المعارضة، ووصل بها الأمر إلى حدّ المشاركة في وثيقة سان إيجيديو·
بعد ''انتخابات'' 99 التي ''فاز'' بها دون مجدٍ المترشحُ ''الحرُّ'' القادمُ من صحراء التيه السياسي عبد العزيز بوتفليقة، قَبل سعيد سعدي أن يشارك بوزيرين في حكومة علي بن فليس، مغامرا بإحداث انقسام داخل حزبه، ثم ما عتم أن انسحب منها على خلفية أحداث منطقة القبائل التي تلت مقتل الشاب ماسينيسا فرماح في مواجهات مع الدرك الوطني، مُعللا موقفه بأنه يرفض أن يبقى ''شريكا في حكومة تطلق النار على مواطنيها''· ومع كلّ تحوطه ومع الحذر المعروف عنه تجاه السلطة، إلاّ أنه شارك في رئاسيات 2004 وخرج منها بحصة مهينة من الأصوات، أنسته المرتبة الثالثة التي سبق أن حصل عليها في رئاسيات 95 بعد زروال والراحل محفوظ نحناح· وكان قد رفض الترشح لانتخابات 99 التي استبعد منها محفوظ نحناح بقرار من المجلس الدستوري بحجة ''عدم مشاركته في ثورة التحرير''· أما كيف سُمح لزعيم حمس بالمشاركة في رئاسيات 95 ثم يُقصى من الرئاسيات اللاحقة، فهذا سـرّ من أسرار ممارسة السياسة على الطريقة الجزائرية!
محكمة الليل وتكفير أدونيس
ولكم يبدو زعماء التحالف الرئاسي الثلاثة في دعوة غيرهم للترشح للرئاسيات المقبلة، كمن يقوم بدور المطاردين في عمليات الصيد الجماعي، وهم يدفعون بالطريدة إلى مكان محدّد ليمكن صيدها بسهولة· لماذا لا يترشحون هم بأنفسهم ويُسْدون بذلك خدمةً جليلة للرئيس ـ المترشح في سعيه للتأبد في الحكم، ويكفُون عن ذلك ''السيرك'' بتعبير الدكتور السلاخ؟
في الجدل الدائر حاليا بخصوص عقوبة الإعدام، يقف سعيد سعدي في صف الداعين إلى إلغائها· حجته في ذلك أنها العقوبة الوحيدة التي لا يمكن تعويض المحكوم عليه بها في حالة الخطإ القضائي· وبالنسبة لقضاء لم يبرأ من مقولة ''القضاء في خدمة الثورة'' ولم يبرهن بعد عن كامل استقلاليته عن الجهاز التنفيذي، فإن سجله لا يخلو من تلك الحالات التي تكون وراءها إعازات من السلطة السياسية· المثال الدامغ هنا هو ''محكمة الليل'' التي انعقدت على جناح السرعة عشية رئاسيات 2004 لكي تحكم بفقدان علي بن فليس صفة تمثيل حزب جبهة التحرير الوطني، ويتم استبعاده لصالح المؤيدين للمترشح ''الحر'' عبد العزيز بوتفليقة· تدخل أطراف تحمل الوشاح الديني في النقاش، أخرجه من حيز القانون الوضعي إلى مربع الشريعة· وبالقياس إلى ما حدث عندما حكمت نفس الأطراف على أدونيس بالكفر في محاضرته الشهيرة بالمكتبة الوطنية، فإن الملف سيطوى· بل إن إثارة هذا النقاش في هذه المرحلة بالذات قد لا يخلو من أفكار خلفية انتخابية، تتيح للرئيس فرصة الظهور بالمدافع عن الدين، كما كان الشأن بالنسبة لطرد مدير المكتبة الوطنية على خلفية تكفير أدونيس·
من حين لآخر، تطفو على السطح انتقادات في الصحافة المقربة من النظام، تقول إن الأحزاب المطالبة بالديمقراطية هي أبعد ما تكون عن ممارسة الديمقراطية بين صفوفها، وليس لها والحال هذه أن تطالب بها ولا بالتناوب على السلطة، وهي تمنع التناوب على قيادتها· ولا ريب أن أصحاب هذا التحليل، وهم يقصدون بالأساس سعيد سعدي وحسين آيت أحمد، يتجاهلون أن رئاسة حزب أمر يخص فئة قليلة من المجتمع، بينما رئاسة الدولة تخص المجتمع بأكمله· ومن هنا، فإن ''تأبد'' الزعماء على رأس أحزابهم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون حجة وتبريرا لتأبد رئيس الدولة في منصبه· لئن كان عهد الشاذلي بن جديد هو عهد الجمود وتوقف كل المشاريع وانسداد الأفق، فإن العهد الذي سيليه سيكون عهد الفوضى ''غير الخلاقة''، ثم الحرب الأهلية ثم عهد العودة إلى الأصل، الفكر الواحد الأوحد والقائد الواحد الأوحد· ''التقهقر الخصيب'' الذي بشّـر به عدي؟؟؟ الهواري، كان تقهقرا مجدبا· وبين كل هذه العهود، أثبتت المعارضة الجزائرية بُؤْسَها وعدم قدرتها على زحزحة نظام متشبث بمواقعه· وفي حركة الالتفاف الواسعة من أجل العودة إلى ما قبل الثامن أكتوبر ,88 وخير إشارة إلى ذلك كانت تعيين الراحل شريف مساعدية على رأس مجلس الشيوخ، خسرت كل الأحزاب المعارضة مواقعها تطبيقا لقاعدة جديدة تحدد مساحة وجود أي حزب بقدر قربه من السلطة· وحزب سعيد سعدي تقرّب ذات يوم من السلطة ثم قلّب لها ظهر المجنِّ، كما يحدث ذلك في أعرق الديمقراطيات حين يسحب حزبٌ وزراؤه من حكومة لم يعد يتفق مع خط سيرها· لكن الجزائر ليست ديمقراطية عريقة ولا حديثة ولا حتى مشروع ديمقراطية· ومن بين كل ما حملته تجربة الـ'' أر سي دي'' من آمال ومن كل ما راكمته من تجارب نضالية طيلة عقدين، لم يبق سوى لسان مؤسسه اللاذع وكلماته التي تسلخ سلخا في ساحة سياسية محكمة الإقفال·
ماذا بعد عشرين سنة من الحكم في الأرسيدي؟
نشأ التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عام ,1985 بعد الدستور الذي أنهى عهد الحزب الواحد في الجزائر مع أمل المساهمة في التغيير السياسي في البلاد· مرت الأيام بحلوها ومرها· دخل حزب سعيد سعدي في صراع مع السلطة، مع المعارضة ومع نفسه حاول التغيير في الخارج ولكنه رفض التغيير في الداخل: عشرين سنة بعد نشأة هذا الحزب، لازال سعيد سعدي رئيسا له·
فيصل مطاوي
ارتبط اسم هذا الرجل بالحزب إلى درجة أنه اختلط على الملاحظين التفريق بين الفكرة وبين الرجل الذي يتزعم الحزب· في الكثير من الأحيان تهجم سعيد سعدي على جبهة القوى الاشتراكية وعلى حسين آيت أحمد متهما إياه بترسيخ الزعامة أو ما يسميه بالفرنسية بـ''زعيميزم''، ولكن هل عرف الأرسيدي تداولا على السلطة؟ هل عرف تشبيبا حقيقيا لإطاراته؟ الإجابة على هذه الأسئلة بسيطة: لا·
الكثير من أصدقاء سعيد سعدي ومن الأعضاء المؤسسين للحزب ذهبوا دون رجعة بسبب اختلافات في الرؤى السياسية وبسبب تصرفات رئيس الحزب· نذكر على سبيل المثال مقران آيت العربي، خليدة مسعودي تومي، عمارة بن يونس، حميد لوناوسي·· وكان آخرهم جمال فرج الله الذي كان يعتبر من أقرب المقربين من سعيد سعدي والذي شغل منصب نائب الرئيس· عارض جمال فرج الله فكرة مشاركة الحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة· فكانت النتيجة أن أبعد من منصبه في قيادة الحزب· في رسالة نشرها في الصحافة، اتهم جمال فرج الله سعيد سعدي بإبعاد وإقصاء كل من يخالفه الرأي أو يبعده عن الأضواء· ''تحت قيادته، أصبح الأرسيدي المكان الذي فيه الاقصاء هو ثمن حرية التفكير، إنه ذاك القائد المنتهي الذي يترك الإطارات تغادر الحزب رغم العواقب السياسية الوخيمة على الحزب، وعلى مصداقيته''، يكتب جمال فرج الله الذي يذكر أن جماعة من إطارات الحزب حاولت بعث نقاش داخلي حول الوضعية التنظيمية للحزب، الشيء الذي سبب غضب سعيد سعدي الذي تأخر كثيرا في تنظيم المؤتمر الثالث للحزب، وفي الإعلان عن عدم المشاركة في الرئاسيات القادمة· في حقيقة الأمر، سعيد سعدي، الذي يقول إنه يعارض النظام القائم ''منذ ثلاثين سنة''، أحب لو تقدم إلى ذلك الاقتراع بحكم أنه كان قد طالب بحضور ملاحظين أجانب لمراقبة الانتخابات، لكنه تراجع عن موقفه بسبب الضغوط الداخلية في الحزب·
معروف عن الطبيب النفساني سعيد سعدي أنه لا يحب من ينتقده أو يدلي بملاحظات حول مواقفه·· الأرسيدي هو الحزب الوحيد الذي يطرد الصحافيين من ندواته ومؤتمراته مثلما فعل في الماضي مع جرائد مثل لاديباش دوكابيلي، ولوتونتيك وكذا التلفزيون الجزائري· في 2001 عندما قرر الأرسيدي دخول الحكومة وعندما كان الحزب يرى في عبد العزيز بوتفليقة كل الخصال والشمائل التي لا يراها اليوم، تجرأ سعيد سعدي وكتب رسالة إلى ''أصدقائه في الصحافة'' فيها الوعظ، النصيحة والأمر، كان ذنب الصحافة في رأيه، أنها تنتقد كثيرا سياسة الرئيس بوتفليقة· كلام تشاطره فيه السلطة، فقد حملت رسالة سعيد سعدي الكثير من العبارات التي تردد على ألسن أتباع السلطة مثل: ''الصحافة تشتم''، ''الصحافة تبالغ''، ''الصحافة تنقصها المهنية''، ''الصحافة لا تبحث عن الحقيقة''···
هذه الرسالة التي تعتبر على الصعيد الأخلاقي والسياسي خطأ فادحا لا يغتفر، أفقدت سعيد سعدي الكثير من المصداقية خاصة أن الرجل يخشى متابعة الصحافيين أمام العدالة، مثله مثل السلطة·· آخر اسم في قائمة المتابعين قضائيا محمد بن شيكو الذي ''تجرأ'' على انتقاد آراء ومواقف زعيم الأرسيدي، فكانت هجمة شرسة في موقع الحزب على الأنترنت (هذا الموقع أصبح منبرا للتهجم على كل من يخالف مواقف هذا الحزب المحسوب على التيار الديمقراطي) بعبارات بذيئة وهابطة، فقد نسي سعيد سعدي أن محمد بن شيكو قد سجن لمدة سنتين بسبب آرائه المعادية لسياسة عبد العزيز بوتفليقة، فماذا لو وضع مدير صحيفة لوماتان (التي توقفت عن الصدور) في سجن بسبب الدعوى التي رفعها الأرسيدي أمام القضاء؟ فهل سيدافع هذا الحزب على حرية التعبير وحرية الرأي مرة أخرى؟ سبق للأرسيدي أن رفع دعوى ضد صحيفة لوموند الفرنسية عام 1998 لأن الجريدة كتبت أن هذا الحزب يمثل عصبة من عصب النظام السياسي في الجزائر·
إذا كانت الصحافة في خدمة مرامي سعيد سعدي السياسية فهي مقبولة ويرحب بها·· مؤخرا عندما خرجت مجموعة من إطارات الحزب بولاية بجاية عن طاعة الأرسيدي، استعمل هذا الأخير الإعلام ليرد بعنف على هذه المجموعة، إطارات بجاية، وهم عز الدين تينوش، عاشور ساسي، براهم بن عاجي وخلادي محمد الصادق، قالوا أشياء كثيرة أمام الملأ، كانت تقال في كواليس الحزب· ''نناضل من أجد التداول على الحكم في هرم السلطة ونرفض أن يحدث العكس داخل الحزب الذي نناضل فيه (···) إنه من الغريب أن رئيس الحزب يرفض أن يتقدم بوتفليقة إلى عهدة ثالثة بينما هو يتربع على عرش الحزب دون منازع منذ عشرين سنة مثل السلطان المطلق''· هذا جزء مما ورد في رسالة الغاضبين على سعيد سعدي·· فماذا كان رد هذا الأخير على هؤلاء؟ الطرد···
جمال فرج الله لـ''الخبر الأسبوعي''
لا أستبعد أن يكون تجميد نشاط الحزب تواطؤا مع السلطة
أعاب جمال فرج الله، القيادي في الأرسيدي، على رئيس الحزب، سعيد سعدي، كيفية ممارسة الديمقراطية، حيث قال في هذا الحوار الذي خص به ''الخبر الأسبوعي'' أن سعدي يطبق عكس ما يخاطب به الناس، كما تساءل فرج الله عن سبب اتخاذ قرار تجميد نشاطات الحزب، وقال إنه قرار انفرادي جعل كل المناضلين في حيرة، دون أن يستبعد أن يكون هذا القرار بمثابة تواطؤ مع السلطة أو طمعا في المستقبل بمغازلة جهة في السلطة، وكشف عن انطلاق مناضلين من الأرسيدي في مبادرة قد تأتي بالجديد للساحة السياسية·
محمد بلعليا
ما نلاحظه في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية هو أن سعيد سعدي لا يزال على رأسه منذ تأسيسه، في المقابل نلاحظ إقصاء العديد من الإطارات والمناضلين، فما هو تعليقكم على هذا الوضع الذي يعيشه الحزب؟
أنا أظن أن هذا الأمر ليس عقلانيا، والرجل مهما كانت قيمته والكفاءات التي يتمتع بها، لا يمكن أن يبقى على رأس الحزب لعدة سنين، ومن جهة أخرى فإن سعيد سعدي يدعي الديمقراطية ويطالب بالتداول على السلطة، ومن المفروض أن كل رئيس حزب لما يدعي مشروعا ديمقراطيا لا بد أن يعطي مثالا داخل الحزب الذي يقوده حتى يكون قدوة فيه، أظن أنه يوجد في الأرسيدي إطارات كثر، وهو من أحسن الأحزاب في هذا المجال، وبالتالي عنده إطارات جيدة، فمنذ تأسيس الحزب سنة 1989 والإطارات معروفون في الساحة السياسية ولهم معترك سياسي جيد، وقد تجندوا في الظروف الصعبة التي كانت تعيشها الجزائر، لكن انسحبوا من الحزب تحت الضغوط أو طردوا·
كيف تقيّمون المسار الديمقراطي للأرسيدي في ظل ما تقدمتم بطرحه؟
سعيد سعدي له خطاب بارز في المستوى السياسي، ولكن في التطبيق نلاحظ أنه لا يطبق مبدأ التداول على السلطة، وأنا عشت في الحزب، وكنت إطارا ومسؤولا في هذا الحزب منذ تأسيسه، ورأيت أنه لا يتماشى مع مواقفه، ولا يسير وفق المنهج الديمقراطي، في البداية كان حزبا متفتحا، ولما أصبحت الإطارات تخرج من الحزب أصبح سعيد سعدي يسيطر عليه، وأنا وبعض المسؤولين في الحزب، كنا نقول آنذاك إنه ربما الظرف الحالي هو السبب، وأن عدم تسييره ديمقراطيا يعود لمواجهة ضغوط في المرحلة التي كانت تعيشها البلاد، وكنا نقول حينها إن هذه المرحلة لا بد أن نتجاوزها أولا، أما الآن الظروف بدأت تتحسن والوضع الأمني تحسن كثيرا، والأرسيدي لم يعد ذلك الحزب الذي يعتبره الناس حزبا ضد الدين والعروبة، فقلنا حان الوقت لجعل الحزب يسير بطريقة أخرى، وبشكل ديمقراطي، وهذا ما أدى بي أنا والبعض في المؤتمر الأخير إلى القول صراحة إنه حان الوقت لتغيير الوضع السياسي للحزب ونتفتح، ولابد أن يكون انتخاب رئيس الحزب، والمجلس الوطني، والهياكل القاعدية في كل من الولايات والبلديات، وجئنا بمشروع آخر·
وكنا في بجاية والجزائر العاصمة، ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم أصبح سعدي وجماعته يواجهوننا، ودخلنا في نزاع ومشاكل، حتى وصل الأمر إلى حد الطرد ونحن لن نقبل بهذا القرار ولازلنا نناضل·
ولكن كيف تواجهون مثل هذه المواقف، ألا تفكرون في عملية تصحيحية أو تأسيس حزب سياسي مثلا؟
في هذا الوقت النشاط الذي نمارسه داخل الحزب، وسنعلن هذه الأيام عن مبادرات كبيرة في الجزائر العاصمة، وفي العديد من الولايات، وهي المبادرة التي يقوم بها عدد من المناضلين داخل الحزب، وأغلبهم من الذين لا زالوا داخل الحزب، ونعمل مع كل من عانى من هذه السياسات التي يمارسها سعيد سعدي، سواء الذين طردوا أو مازالوا أو الذين لا يزالون يؤمنون بأفكار الحزب ومبادئه، والآن نحن نناضل من أجل تحقيق الديمقراطية·
** أعلن بيان للحزب عن تجميد نشاط الحزب، فكيف ترون القرار في هذا الوقت بالذات، وهل تم تبنيه بشكل جماعي؟
كل المناضلين تفاجأوا من هذا القرار، وهذا التجميد أعلنوا عنه على أن المجلس الوطني هو الذي قرر، ولكن الشيء الذي لاحظناه هو أن شخصين فقط داخل المجلس طرحا الفكرة، والأغلبية الساحقة ضد قرار التجميد، ولكن لاحظنا أن الحزب يسير بطريقة غير ديمقراطية، ورئيس الحزب وافق على القرار من خلال قبول رأي اثنين فقط دون الالتفات إلى بقية المناضلين·
وأنا شخصيا أتساءل: لماذا هذا التجميد، ولصالح من، هل هو من أجل ترك الفرصة لبوتفليقة حتى يفوز بالانتخابات بسهولة، هل هذا التجميد من أجل إرضاء جهة في السلطة على حساب جهة أخرى·
أم أن سعيد سعدي أصبح لا يستطيع مواجهة السلطة، فكل المناضلين أصبحوا يتساءلون عن سبب هذا القرار، الذي لم نعش مثله أبدا، فهذه هي المرة الأولى التي يأخذ فيها مثل هذا القرار·
من خلال طرحكم هل يمكن القول أن سعدي متواطئ مع السلطة بهذا القرار؟
أظن أن هناك رأيا آخر، هو أن القاعدة تمشي معنا والمناضلين لا يسيرون معه، ولم يعد بالقوة التي كان يملكها لذلك جمد نشاطه، ولأن الأغلبية لم تقبل هذا الطرح وهو عرف أننا مقبلون على تجميد نشاطه، فسارع إلى هذا القرار·· وممكن أن يكون هناك طرح آخر، وهو أنه لا يريد إزعاج السلطة، فيجمد نشاطه وينتظر، ممكن أن تكون هناك فرصة أخرى·