خريطة الموقع
الخميس 11 مارس 2010م

اللعب بروح الفريق  «^»  فلاسفة الهزيمة  «^»  في عيدها...!  «^»  مسلسل الجنون!  «^»  صراع على "السلاطة" بواسطة زيت الزيتون  «^»  حكاية غير مستقيمة  «^»  العَلَم يا ناس!  «^»  مملكة الشياطين...!  «^»  When to free? ... Viva l'Algerie!  «^»  البرادعي.. البردعة.. ودواب الحارة جديد المقالات


مكتبة الأخبار
دراســـة
الجزء الثاني والأخير:صراع النخب حول مطلب الحداثة ومرجعيات الأصالة









الجزء الثاني والأخير:صراع النخب حول مطلب الحداثة ومرجعيات الأصالة

أما في الجزائر وباقي المنطقة العربية، فليس للحداثة سوى معاني مجازية، بسبب ضعف وتيرة الإنتاج المحلي للحداثة، وتستخدم النخب الثقافية والسياسية هذا المفهوم للإشارة إلى مدلولين هما:
1 ـ التراكم الإبداعي للفكر العربي الإسلامي، وهو تراكم على درجة كبيرة من الأهمية في سياقه الحضاري والتاريخي، ولكنه الآن أصبح جزءا من الحركة المستمرة للتاريخ، وينبغي القول بأنه لا يعتبر الآن إبداعا على الإطلاق، أي أنه ليس في موقع قيادي في الفكر الإنساني، وتأسيسه الحقيقي يتمثل في إخضاعه لنقد صارم (لا علاقة له بالتفاخر العنتري والرثاء) من طرف المعاصرين، يُسهّل إثراءه من الداخل وتسريع حركته في ضوء المنجزات العلمية والتكنولوجية، وهذا هو الطريق الصحيح والشاق في نفس الوقت لزرع الحداثة والتقدم الذي اتبعه بلد مثل الصين الشعبية التي فرضت طب ''الإبر'' على جامعة هارفارد وتقطع في
أما في الجزائر وباقي المنطقة العربية، فليس للحداثة سوى معاني مجازية، بسبب ضعف وتيرة الإنتاج المحلي للحداثة، وتستخدم النخب الثقافية والسياسية هذا المفهوم للإشارة إلى مدلولين هما:
1 ـ التراكم الإبداعي للفكر العربي الإسلامي، وهو تراكم على درجة كبيرة من الأهمية في سياقه الحضاري والتاريخي، ولكنه الآن أصبح جزءا من الحركة المستمرة للتاريخ، وينبغي القول بأنه لا يعتبر الآن إبداعا على الإطلاق، أي أنه ليس في موقع قيادي في الفكر الإنساني، وتأسيسه الحقيقي يتمثل في إخضاعه لنقد صارم (لا علاقة له بالتفاخر العنتري والرثاء) من طرف المعاصرين، يُسهّل إثراءه من الداخل وتسريع حركته في ضوء المنجزات العلمية والتكنولوجية، وهذا هو الطريق الصحيح والشاق في نفس الوقت لزرع الحداثة والتقدم الذي اتبعه بلد مثل الصين الشعبية التي فرضت طب ''الإبر'' على جامعة هارفارد وتقطع في نفس الوقت أشواطا كثيرة لاستيعاب تكنولوجيا الفضاء والتحكم في التيكات الخمسة Les cinqTiques وهي الانفورماتيك، والتليماتيك، والبيوتكنيك، والإلكترونيك، والبيروتيك·
بعد تخلف مزمن (ينبغي أن نذكّر بأنّ الصين كانت أكبر قوّة اقتصاديّة في العالم حتى أواخر القرن 19) غرقت بعد ذلك في عزلة جعلتها سوقا للعفيون ومُجزّأة إلى كانوتات للنفوذ البرتغالي والبريطاني ثم الفرنسي والأمريكي، استفاقت الصين في منتصف القرن الماضي وأصبحت منذ نهاية القرن الماضي تسمى القوة الهادئةpower Soft وتتطلع الصين لأن تكون قبل منتصف هذا القرن قوة عالمية power Global وقد أعلنت قيادتها في افتتاح الألعاب الأولمبية بأن العالم كان يطالب الصين بأن تنفتح على العالم· والآن، فإن الصين تطالب العالم بأن ينفتح عليها، وهي تخوض السباق نحو الفضاء الخارجي بنجاح·
2 ـ التراكم الإبداعي الغربي، وهو المدلول الأكثر شيوعا بين النخب التي تبنت في مستهل هذا القرن المعيار الأوروبي لتحديد مضمون الحداثة ومسعاها· وهكذا، أصبحت الحداثة هي المنقولة شكلا، لأن النخب المحلية لا تساهم فيها محليا بشيء يذكر، وتعني في محصلتها مجرد التشبه بالأقوى وتقليده في محاسنه ومساوئه· وبالتالي، فإن المثال Idealأو النموذج يوجد خارج المنطقة العربيّة والإسلاميّة وفي الولايات المتحدة بالذات، وليقل الأصوليون والتأصيليون ما يشاءون عن ثقافة الكوكا كولا والهامبرغر وأفلام هوليوود، وليبحثوا في أوراق الماضي القريب والبعيد عن مساوئ فرنسا الكولونيالية، ولكن قسما كبيرا من النخبة في المنطقة وفي بلادنا بالذات تدور عقارب ساعتها الذهنيّة ونمط حياتها الاجتماعيّة والثقافيّة على هامش ما يدور وراء البحر والمحيط، ليس اليوم، ولكن منذ أن راهنت النخبة غير الثورية على مستقبل تضمنه التبعيّة إلى هناك افتتحته قبل قرن ونصف عائلات الأعيان، أو كما سماها السيد علي براهيمي في يومية وهران 09 / 11 / 2008 عائلات القيّاد Les familles caîdales·
كيف نفسّر وجود أشخاص في مواقع عليا للتدبير والتسيير لا يعرفون من العربيّة، فصحى أو عاميّة، أكثر من ''السلام عليكم'' وأكثر من ''أزّول فلاون'' بالأمازيغيّة بعد أكثر من 55 عاما من التحرير، وهم يخاطبون جمهورا من النّاس العاديين، أي ليسوا من الأجانب أو الخبراء!؟ ونؤكّد مرّة أخرى أنّ استخدام لغة أجنبيّة أو أكثر عند الحاجة لا ينقص من وطنيّة أيّ جزائريّ، وهو كذلك ليس علامة على انتساب الشخص إلى حداثة هو في الحقيقة عالة عليها·
ولهذا السبب، فشلت تجارب على درجة كبيرة من الأهمية التاريخية، مثل تجربة محمد علي في مصر، وكمال أتاتورك في تركيا، والشاه رضا بهلوي في إيران· ويتمثل الفشل في العجز عن زرع الحداثة في المجتمع، وقد اقتصر استهلاك منتجاتها والانبهار بمصادرها في أوروبا وأمريكا على حلقات ضيقة من طبقة النبلاء من ذوي الجاه والثروة، تتميز عن ''الغاشي'' بالسلوك القشري في مستوى الذهنيات و''الخدمة'' التابعة في مستوى الصناعة والتكنولوجيا وفن الحياة، وقد وصلت الخدمة التابعة في السنوات الأخيرة في عدد من بلدان المنطقة إلى الافتخار بأنها في خدمة قواعد لخدمة استراتيجية العظمة والطغيان للقوى الأجنبيّة، كما حدث في حروب الشرق الأوسط والخليج المتكررة بعد .1967
إن الدولة التي حملت لواء التحديث في نصف القرن الماضي لم تضمن لخطابها الثوري أو الليبرالي أي محتوى معرفي يؤسس للتحديث داخل المجتمع وينشر آثاره في العمق، فقد كان، ومازال، التشبه الشكلي بالغرب هو المقياس الأهم للحداثة·
لم يكن بالإمكان وضع أساس معرفي (ابستمولوجي) سلوكي للحداثة بسبب الحرب الشعواء التي شنتها قيادات غير مستنيرة على حرية الفكر، والفكر الحر بالمعنى الذي وضعه كانط E. kant في كتابه الشهير ''نقد العقل الخالص'' critique de la raison pure· لذلك، واجهت الأمة واقعها كما هو وبلا مساحيق التجميل· وعندما انهزمت الأنظمة العربية في مجابهاتها غير الجادة مع إسرئيل، وخاصة سنة ,1967 انطلق النقد اللاذغ من عنانه واعتبر الكثير من المثقفين أن الديكتاتورية هي أم التخلف وأبوه، فقد أدى كبت الحريات وتدجين الفكر وسيادة ثقافة البلاط إلى التشردVagabandage الحضاري للأمة وهزائمها المتلاحقة وتبعيتها المتزايدة للنظام الدولي وخضوعها لضغوطاته بلا مقاومة·
أدى هذا الإقرار بالإخفاق والعجز عن تقديم البدائل، وخاصة في ميدان التنمية، إلى موجة من رثاء الذات أو جلدها، كما يقول شعراء مسلسل النكبات (بالجمع)، ولم يبق أمام شرائح واسعة من الشعب ومن بعض النخب سوى التفتيش في مواقف وأوراق السلف عن إكسير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أي أن خيبة النخب هو أيضا إخفاق لحداثتها القشورية والمغشوشة·
وجد الكثير من الشباب التائه والمحبط الملجأ في المساجد وأوراق القدماء لتجاوز الحاضر غير المقنع وتحدي الآخر الأكثر قوة ورفاهية·
إنّ التدين Religiosité في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والاقتداء برسولنا الأكرم محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو المثل الأعلى في شؤون الدين والدنيا، ولكن الإسلام ليس رهبانية وعبادات آلية (ميكانيكية) تمحوها المعاملات السيئة مثل الغش والكسل والفساد في الأرض بدل إصلاحها·
وبعد أن تشكك جيل السبعينيات والثمانينيات في الأطروحات الليبيرالية لمفكرين سيطروا على الساحة، مثل زكي نجيب محمود وقسطنطين زريق وعبد الله عبد الدائم···، فإنه لا يرى بوضوح البدائل التي يقدمها فكر آخر يتردد بين الليبرالية واليسارية، كما هو الحال عند عبد الله العروي، وأدونيس، والجابري، وأنور عبد المالك ومصطفى الأشرف، وعبد الله شريط وعبد المجيد مزيان، ومحمد أركون·· ولكل واحدا من أولئك المفكرين اجتهاداته في ''قنص'' الوقائع في تاريخيتها Historicity وتأثيرها في تشكل الحاضر الثقافي والسياسي ولا يقدم له اليسار الماركسي من خلال أطروحاته التاريخية أو الاجتماعية، كما تظهر عند محمد حربي والطيب تيزيني ومحمود أمين العالم وسمير أمين وأدونيس وبرهان غليون وغيرهم، لا يقدم تصورا أو مشروعا فلسفيا يتجاوز عقبات الحاضر ويلقي بسلم نحو المستقبل·
وعلى افتراض وجود درجات على ذلك السلم، فمن يصعد بها إلى فوق، ونجد في تجربة المفكر والناقد إدوارد سعيد ما فيه، كشف بالأشعة على الجراثيم التي تنخر جسم الأمة، فقد ناضل المفكر سعيد من أجل قضية شعبه وهو مواطن أمريكي الجنسية وكان من أصدقاء عرفات ومستشاريه، وبعد يأسه من تنوير القيادة الفلسطينية والعربية التي بقيت على نفس الصورة التي رسمها توماس إدوارد لورانس، الجاسوس البريطاني، في أعمدة الحكمة في أوائل القرن الماضي، حيث يتصور بعض قادة المنطقة أن الجلوس أمام رئيس أو شخصية أمريكية أو أوروبية هو انتصار تاريخي يسجل بحروف من ذهب·
وقد أدت انتقادات إدوارد سعيد للمجتمع الأمريكي وانعدام تأثيره في بني جلدته إلى عزله في جامعته Colombia univ وفي الوسط الإعلامي والثقافي الأمريكي، ولم يجد أي تعاطف سوى من كتّاب وأدباء في أمريكا وبريطانيا نفسها مثل تشومسكي والنائب العمالي غالاوي والمخرج أوليفر ستون حتى توفي سنة .2003
وأيا كان المدخل نحو الحداثة، فإن التراث الثقافي الذي امتزج إلى حد بعيد بالمرجعية الإسلامية في جانبيها العقائدي والقيمي (القيم الموجهة للسلوك)، لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار· فبدل أن يكون الصراع بين عصرانيين وسلفيين أو تقليديين لا يملك أي منهما القدرة الفعلية للتأثير على المستقبل، ينبغي أن يكون التجاوز (ونعني به هنا النقد ونقد النقد والإبداع) حول طريقة تطويع الموروث العربي الإسلامي لمقتضيات العصر وتمثل Assimilationالتراكم الهائل للمعرفة والتكنولوجيا برؤيتنا الخاصة ووفق تجربتنا التاريخية، فالمعاصرة والحداثة هي إلى حد كبير إسقاط Projectionللذات التاريخية على المستقبل· فهل تلد ذاتنا التاريخية معاصرتها في القرن الواحد والعشرين؟
ولتأييد هذا الطرح، يمكن النظر بسرعة إلى ما علق بأذهان النخب في بلادنا وفي المنطقة العربية من معالم الحداثة الأوروأمريكية المهيمنة على العالم، وخاصة منذ الفترة ما بين الحربين وانطلاق المشروع الجديد New deal في الولايات المتحدة أولا، ثم غرب أوروبا ثانيا، وهو المشروع الذي أدى إلى الثورة التكنولوجية المعاصرة، وسط تغيرات اجتماعية متسارعة، تنطلق من مراكز جذب ودفع متعددة أهمها الذات المفكرة Cogito ergo sum التي تحاور نفسها وتتحاور مع من حولها، جدل بين العقل والإيمان، يسمح كل منهما للآخر بأن يذهب إلى أبعد مدى، وينسى البعض عندنا عند الحديث عن اللائكية والعقلانية أن ديكارت الذي وضع قواعد التفكير في كتابه المشهور ''قواعد المنهج'' Discours de la méthode يصل في تأملاته الروحانية Méditations إلى حد التصوف والرهبنة، وأن باسكال الرياضي هو كاهن غارق في ميتافيزيقيا الكون والإنسان، ما بين غاليليو واينشتاين، جسر دعائمه عقل وإيمان قد يكون أحدهما هو نقطة البداية ولكنهما في النهاية يلتقيان أمام بوابة المعرفة الكلية التي يرى بيرغسون H. Bergson أن مفتاحها هو الحدس Intuition، أي ومضة تقع في منزلة ما بين العقل والروح·
* للحداثة بداية وليس لها نهاية
إن الذي يجذب الاهتمام ويستقطب جزءا كبيرا من الجدل والصراع الدائر اليوم بين القيادات والنخب، هو الآثار المرتبطة بالحداثة كما صنعها الغرب، وتتمثل فيما يلي:
1 ـ تقلص الريف وتضخم المدينة L'urbanisation·
2 ـ تفكك الولاء الجمعي العائلي والقبلي والقروي·
3 ـ التوزيع الذري للعلاقات Atomisation، والفردية المطلقة individualisme·
4 ـ الاستهلاكية وتشخيص المستهلكات بواسطة الإشهار الذي يفرض نوع وشكل السلع·
5 ـ تحرير المرأة من وصاية العائلة وضغوط الضمير الجمعي·
6 ـ كسر الحدود بين المقبول والمرفوض في العلاقات بين الجنسين·
7 ـ اعتبار الجسم والمظهر قيمة عليا، فالرشاقة بالنسبة للرجل والمرأة هي الشرط الأول للنجاح، بحيث يصبح الجسم قيمة مطلقة فيما يخص المرأة، حيث تقوم صناعات كاملة لتخفيف الوزن والمساحيق لغرض بيع الرشاقة والمتاجرة بالجنس ومثيراته (قلما يخلو إشهار من إغراء أنثوي)·
8 ـ الانتقال من الحرية والديمقراطية إلى براغماتية نفعية تفرض على الرأي العام نموذج الحياة والاتجاهات السياسية والثقافية الاجتماعية، وتلعب أجهزة الإعلام القوية ومؤسسات قياس الرأي العام دورا هاما في نمذجة Modelling المجتمع وتوهمه بأنه حر في اختياراته ونمط حياته·
وهذه النقطة بالذات هي التي عبر عنها المفكر اليساري الأمريكي أريك فروم E.Frommبقوله إن مشكلة العصر ينبغي أن تعاد صياغتها على النحو التالي: كيف تكون لا ماذا تملك have How to be not what you؟
هذه بعض الانعكاسات السسيولوجية للحداثة، لا ينبغي الحكم عليها من الموقع الحضاري التي ننتمي إليه، بل من خلال السياق التاريخي الاجتماعي للبلدان التي أنتجت الحداثة في صورتها الراهنة· ولو سمحنا لخيالنا أن يحلق ويستحضر الصورة التالية، وهي أن ينقل التلفزيون صورة وثائقية عن الحياة في بغداد أو بجاية أو القاهرة أو دمشق، أو فاس، أو قرطبة أو تونس، في القرن الثالث أو الرابع الهجري، لمشاهدين أوروبيين في الحقبة نفسها ونستمع لاستجاباتهم لحداثة مجتمعاتنا في ذلك العهد، وهي حداثة كانت بدون شك في مرتبة قيادية، يوجد الجواب في العنوان الفرعي السابق: للحداثة بداية ولها مسار بلا نهاية!
من هذا المنظور، ينبغي أن لا تخدعنا لفظيات الحداثة وغزلياتها القشورية، التي تتوهم أن استهلاك الفائض من منتجاتها ومدح ما عند الغير هو الحداثة، بينما المطلوب هو توطين العلم والتكنولوجيا بالعربية، انطلاقا من تراثنا الصالح والجهد المتواصل لتحقيق تراكم الخبرات في مجالات البحث الأساسي التنظيري وتطبيقاته العملية، وأن يصحب ذلك إرادة وتصميم لدى النخب القيادية في الدولة وهيئات المجتمع المدني، لا تخضع للتقلبات الانفعالية والأمزجة الشخصية· إن الجزائر لم تبدأ اليوم ولن تتوقف غدا، ولا ينبغي أن يكون ماضي الأمة بانتصاراته وإنجازاته وأخطائه وكبواته سجنا لنا، فالأمة التي ترى أن أمسها خير من يومها، ولا تستطيع أن تنمي رصيدها المعنوي وثرواتها المادية بعقول أبنائها وسواعدهم، هي أمة لن يسمح لها في المستقبل القريب حتى التفرج من بعيد على السباق والمباراة التي قد تدور أشواطها القادمة خارج كوكب الأرض·
ليس من أحلام اليقظة الجزم بأن مؤهلات الجزائر المادية والمعنوية ترشحها لاعتلاء مكانة أسمى إذا خلصت النوايا وتظافرت الإرادات، وتجربة ثورة التحرير (1954 ـ 1962) تبرهن على أن انتصار الجزائر على ضعفها ممكن، ولا شك أن المصالحة الوطنية هي بداية الطريق للخروج من الحيرة والتردد، فلا تنمية ولا ازدهار بدون أمن واستقرار يمنع الآخرين من فرض قواعد اللعبة كما حدث سنة 1994 الوصاية المالية ومضاعفاتها السياسية على الجزائر· هل نتذكر؟ ولا جدوى من الذكرى والذاكرة كلّها إذا لم تكن ذخرا للحاضر ومن الخبرات التي تخضع للنقد على ضوء مستجدات المستقبل·
خمس عقبات أمام الحداثيين والتأصيليين
تواجه دعاة الحداثة والمدافعين عن مرجعيات الأصالة خمس عقبات قد يؤدي تجاوزها إلى أصالة الحداثة، أي من ناحية اكتشاف النخبة لمناهج وكيفيات صنعها ونشرها على أوسع نطاق في المجتمع وتجديد مرجعيات الأصالة، أي الاجتهاد في تطبيقاتها انطلاقا من التراكم المتزايد في المعرفة بالإنسان والطبيعة من ناحية أخرى· تتمثل تلك العقبات فيما يلي:
1 ـ اعتبار المعرفة كتلة جامدة ونهائية، والحقيقة أنه باستثناء النص القرآني وصحيح الحديث (السنّة النبوية)، فإن ما وصل إلينا من السلف ليس المعرفة كلها ولا المعرفة كما هي اليوم، بل منذ عدّة قرون على الأقل، كما أن السلف من القادة ليس كلّه صالحا، فليس في الإسلام قديسون Saintsمعصومون عن الخطإ والخطيئة·
2 ـ إن التسليم بأن المعرفة السابقة كاملة ونهائية، يؤدي إلى الاحتفاظ بمعلومات واستنتاجات ناقصة وأحيانا خاطئة، وبالتالي تثبيت المعرفة بالمجتمع والطبيعة كما كانت عليه قبل قرون·
3 ـ والأخطر من ذلك الاعتقاد بأن اكتساب المعرفة يعني الاكتفاء بتجميعها من التراث القديم، وتلقينها بالحفظ والتكرار (بقيت صفة عالم تطلق على من يحفظ كل القرآن أو بعضه وعددا من المتون مثل ابن عاشر والألفية وسيدي خليل)· وعلى الرغم من أهمية الحفظ أو التدوين النصي في الذاكرة، فإن علماء النفس والتربية وخاصة المختصون في التعليميات Didactique يرون أن الاقتصار على الذاكرة يضعف من القدرات الأخرى، ومن أهمها التمثل والإدراكيةApperception والتكيف بمعناه الذهني والاجتماعي·
4 ـ إن ما وصلت إليه حداثة العصر الراهن لدى المثلث القيادي Triadique وهو شمال أمريكا وغرب أوروبا وجنوب شرقي آسيا، ليست أفضل ولا أقصى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري، إنه بلا ريب طفرة حضارية كبرى ومتواصلة منذ القرن 16 ولكنها حملت في كل مراحلها نقائص، يصل بعضها إلى تهديد البشرية أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا ويوشك على القضاء على البيئة التي تحدق بها اليوم أخطار قد تقضي على حياة الإنسان والنبات والحيوان· فصّل فيها القول الفيلسوف البريطاني المعاصر E. Hobsbown في دراسته عن عصر النهايات القصوى في الخير والشر extremes The age of 1996 ·
5 ـ من المهم أن يتفق طرفا المعادلة (حداثيون ـ أصاليون) على مسألة أساسية، ألا وهي أن في العلم الحديث حقائق ثابتة ومفيدة، ولكنها أصبحت في نظرياتها وتطبيقاتها ملكا مشاعا يستفيد منه من يشاء حسب مؤهلاته والفرص المتاحة له في مجتمعه·
وإذا كانت تلك الحقائق العلمية الثابتة وتطبيقاتها التكنولوجية قد برهنت على صدقيتها وجدواها فيما يتصل بالإنسان والطبيعة والعلاقة بينهما، فإنه من غير الممكن ولا المعقول أن يعيد الأصوليون إعادة اكتشافها من جديد، ومن الخسران المبين رفضها لأي سبب كان، فلم يؤثر التقدم الهائل والاختراعات التي لا تُحصى والإلحاد واللائكية والمادية الماركسية على انتساب العالم الأوروبي والأمريكي إلى مرجعيته الأصلية، ألا وهي الحضارة الإغريقية الرومانية والميراث الديني اليهودي المسيحي Judéo- Chrétien· ولذلك الميراث تأثير قوي في عامة الناس وفي النخبة، ساسة ومفكرين، وهو ما أقره 16 من كبار المفكرين في كتاب صدر في نهاية 2008 بعنوان أفكار للقرن الجديد Pensées pour le nouveau siècle ,2008 Fayard·
الحقيقة أننا لسنا في حاجة إلى دليل على أن تلك المرجعيات العربية والإسلامية ستبقى راسخة في القلوب والأذهان، فهل حدث شطب أي عقيدة وتراث بقرار بعد 1430 عاما من الازدهار والانحدار، بل على العكس يمكن أن تزدهر تلك المرجعيات في عصر العلم والتقانة بالنسبة للحالة الأولى (إلغاء العقيدة والتراث)· يمكن التذكير بمقولة أنفير خوجه، رئيس ألبانيا السابق، قبيل وفاته حيث اعترف بأن تشدده مع مكتبه السياسي ولجنته المركزية للحزب الشيوعي إنما كان أشبه بالتمثيل وخوفا من المكتب السياسي في الكرملن وجهاز مخابراته (كي جي بي) في العاصمة تيرانا، فلم ينس أبدا أنه ينتسب إلى الإسلام· وبالنسبة للحالة الثانية (ازدهار المرجعية)، يكفي إلقاء نظرة على ما تشهده ماليزيا من تطور في مجالات علوم الدنيا والدين تسابق به نمور آسيا·
لا نزعم في كل ما سبق أية مزايدة على الوطنية، ولا الوكالة عن أي فصيل من فصائلها الناشطة في إطار قوانين الجمهورية، سواء أكانت في السلطة أم المعارضة، وأيا كانت مقولاتها وخطاباتها المعلنة·
إن ما سبق لا يزيد عن كونه وجهة نظر لا توزع التهم والبراءات على أحد، إن أكثر ما يشغلنا هو تسريع نهضة بلادنا، وتوطين المعرفة باللسان العربي، وتحقيق تراكم فيها، والوصول إلى تأهيل علمي وتكنولوجي يقلل من التبعية للغير وفاء بوعد الثورة التحريرية وحلمها الجميل، وتحقيق مقولة الماوردي (القرن الرابع الهجري): الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش·
تلوح في الأفق دلائل على تحرر نخبنا في كثير من المواقع من الاغتراب بمعناه النفسي الحضاري ومن التخندق والتأدلج المغلق، وعندئذ تكون العربيّة لغة السيادة حقا، كما هي في دستورنا الجمهوري، والأمازيغية لغتنا الوطنيّة وخزان قسم كبير من تراث الأجداد، والفرنسية أو غيرها من اللغات من مصادر نقل العلوم والتكنولوجيات والإبداع العالمي إلينا، كما هو حال اللغات الأجنبية في البلدان الحريصة على انسجامها وتجانسها الاجتماعي الثقافي، فلا نكون نحن غنائم لها وخدما بالمجان لاٌستراتيجياتها القديمة والجديدة، في دولة يترسخ فيها الحكم الراشد في التدبير والتسيير، ويعني الحكم الراشد فيما يعنيه إنعاش ثوابت القوّة على المستويين الإقليمي والدولي، واعتبار سيادة الدولة من سيادة مواطنيها، في حقوقهم وواجباتهم في الداخل والخارج·


د· محمد العربي ولد خليف

عدد القراءات :2493

اضف تقييمك

التقييم: 5.47/10 (236 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[ابراهيم] [ 28/08/2009 الساعة 10:55 مساءً]
دراسة قيمة ولكن مايجب ان ابلغه هو انني شخصيا شككت في الاسلام احيانا فداومت البحث والتنقيب حتى انتهيت الى حقيقة مفادها؛ ان المسلمين لو تحروا الاسلام الصحيح -واقول الصحيح-لفهموه على حقيقته العظيمة. ولكنه ظلم من طرف اهله.الحمد لله اني عرفت الاسلام قبل ان اعرف المسلمين.

ALGERIA [LE KABYLE] [ 16/05/2009 الساعة 9:36 مساءً]
Wind of change

اليهود يقولون بأن موسى أتى بمعجزات ومنها أنه شق البحر الأحمر بعصاه ..............!!!!!!!!
المسيحيون يقولون بأن عيسى أتى بمعجزات ومنها أنه أحيى الموتى .............!!!!!!!!
النبي محمدأتى بمعجزات ومنها القرآن................
السؤال المطروح: لماذا أتوا بمعجزات؟
الجواب المنطقي هو:
أولا:كي يؤمن الناس بأنهم مرسلين من الله
ثانيا:كي يغيروا حياة الناس إلى "الأفضل"
لكن المنطق يقول أن المعجزة الكبرى هي أن تتغير حياة الناس إلى الأفضل وإلى الأحسن بدون معجزات ،فمفكروا و فلاسفة أوربا اجتثوا الشعوب الأوربية من التخلف و الإقطاع ورجال الكنيسة بدون معجزات وغيروا حياة الشعوب الأوربية إلى الأحسن بدون معجزات.
فهذه هي المعجزة الكبرى والعظمى حسب المنطق. وهؤلاء المفكرون و الفلاسفة ليسوا أنبياء ولا رسل ولا أعتبرهم أنبياء ولا رسل.
ملاحظة:
الدولة الإسلامية لا تختلف عن الدولة الإقطاعية و عن حكم الكنيسة في القرون الوسطى .و الإسلاميون يختلفون عن رجال الكنيسة في شيء واحد هو قطع الأيدي، أما قضية المرأة فهم متفقون عليها تمام الإتفاق كل على طريقته.
كل الأديان غرضها برمجة العقول ونحن ندعو إلى تحرير العقول وأنا لائكي ولست شيوعي لأن الشيوعية إرهاب لان الشيوعية هدفها فصل الدين عن الإنسان وهدا إرهاب في نظري المتواضع.

Wind of change

ALGERIA [kader ] [ 27/04/2009 الساعة 12:05 مساءً]
لا زلنا منذ القرن السادس عشر نعيش عصورنا الوسطى في هذه البلاد التي تحالف فيها الاكليروس الديني والأوليغارشية العسكرية والقومية لصد التفكير العقلاني والحفاظ على سيطرتها الروحية الومادية على عقول العامة ومقدرات الأمة ، هناك اسباب داخلية مرتبطة بتكويننا العقلي وبنائنا الاجتماعي الذي لا يزال تقدليدي منغلق رغم تفسخه من الداخل ، وهناك اسباب تاريخية ذلت طابع حضاري شكلها قانون الصراع الانساني، هذا العامل الأخير الذي لا يزال مفعواله مستمرا ومتواصلا ليس وفق نظرية المؤامرة ولكن وفق طبيعة الاشياء وسنن الكون التي تقتضي ان يعمل خصمك ونظيرك في الهوية والدين والثقافة على زرع ما يستطيع من االعرراقيل والمثبكذطات في طريق نهضتك التي تهدد وجوده .
ان امثال شيبان و كل من يدور في فلك التفكير الديني العقائدي هم الى كونهم مظهر من مظاهر التخلف ، سبب قوي وعائق تاريخي من عوائق النهضة المنشودة ، ولا يمكن من المنظور الابستيمولوجي النقدي والبحثي وعلى صعيد الفكر تصنيف التفكير الديني على اساس فكر متطرف واخر وسطي او معتدل فكله يصدر من مشكاة واحدة ، فمبدأه واحدومنظومته واحدة وان كانت مؤدياته و تبعاته وخطاباته متعددة ، لانه يعتمد على نظرة احادية تحتكر الحقيقة وتقدم النتيجة على البحث والتساؤل ، و يفترض سلفا ان لديه كل الاجابات القطعية والجاهزة على كل الأسئلة الممكنة .
ALGERIA [خير الدين] [ 18/06/2009 الساعة 12:05 صباحاً]
ان حكاية الصرع بين الحداثة و المعاصرة حكاية صراع بين دعاة الإنحلال و التفسخ الاخلاقي من جهة ودعاة الجمود من جهة أخرى
و الحقيقة ان المسلم لا ينبغي له التمسك بالماضي كله غثه سمينه فيبقى حبيس معتقدات و افكار ابعد ما تكون ع روح العصر و لا ان ينسلخ من ماضيه ويرتمي بدون تحصين في براثن المعاصرة و كثيرا ما وجدنا دعاةللحداثة لا يفقهون منها سوى اباحة العري واستباحة المحارم والمناكر في الوت الذي هم ابعد ما يكون حداثة التطور الفكري و الرقي الحظاري و المساهمة الفعالة في البناء الحضاري
ولحقيقة هي ان الإنسان اي انسان لابد ان له ماضي يقتبس منه للحاضر و قيم ينظر من خلالها للمعاصرة خصوصا اذا تعلق ذلك بديننا الحنيف ففيه من المبادئ و القبم الثابتة التي لا ينبغي التفريط فيها بأي حال من الأحوال بل هي الركن الركين في حياتنا وفيه من الفروع التي تتغير و تتبدل وفق متطلبات العصر وهذا تبدوا لنل الحياة جد بسيطة فيها المزوجة بين الحداثة والأصالة لا صراع و تناطح


من الأرشيـــف

ضيف النقــاش : عمّي لخضر بورقعة

مهري:الدبلوماسية الجزائرية تسير ''على باب الله''

حكاية اسمها : غــزّة

الملاحـــق






Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2009 www.elkhabar-hebdo.com - All rights reserved


الكاريكاتير | المقالات | الأخبار | خدمات | الرئيسية