خريطة الموقع
الإثنين 15 مارس 2010م

اللعب بروح الفريق  «^»  فلاسفة الهزيمة  «^»  في عيدها...!  «^»  مسلسل الجنون!  «^»  صراع على "السلاطة" بواسطة زيت الزيتون  «^»  حكاية غير مستقيمة  «^»  العَلَم يا ناس!  «^»  مملكة الشياطين...!  «^»  When to free? ... Viva l'Algerie!  «^»  البرادعي.. البردعة.. ودواب الحارة جديد المقالات


مكتبة الأخبار
ثقــافــة
موسم الهجرة إلى العالم الآخر :''الطيب صالح''·· لعنة الرواية الوحيدة









موسم الهجرة إلى العالم الآخر :''الطيب صالح''·· لعنة الرواية الوحيدة
موسم الهجرة إلى العالم الآخر :''الطيب صالح''·· لعنة الرواية الوحيدة
''أقول صادقاً ليس لديّ أي إحساس بأهمية ما كتبت، ولا أحس أنني مهم، هذا ليس تواضعاً لكنها الحقيقة، إذا اعتقد الناس أن ما كتبته مهم فهذا شأنهم لكنني قطرة في بحر، قصيدة واحدة للمتنبي تساوي كل ما كتبته وأكثـر''·

وسيلة بن بشي

هكذا يختصر الطيب صالح نفسه فهو البسيط العميق، الهادئ الثائر·· كان يختفي وراء سحنته السودانية السمراء ليقول مالا يجرؤ أن يقوله غيره· لقد استطاع عبر تحفته الأدبية ''موسم الهجرة إلى الشمال'' أن يقدم درسا سرديا مهما، لقد امتدت إليها يد الرقابة في التسعينات وصنفت على أنها رواية ''بورنوغرافية''·لقد كانت روايته ''موسم الهجرة إلى الشمال'' التي نُشرت في عام 6691 بمثابة أغنية البجعة التي أطلقها مبكرا وهو المنهك تحت وطأة إعصار بطله الغريب ''مصطفى سعيد''، وعن أناه الآخر الموزع بين قريته الصغيرة وضجيج تلك المدينة الكبيرة· لقد كان هو بكل تفاصيله الفيزيائية وكان الآخر بكل تفاصيله النفسية·
طفا اسم الطيب صالح فجأة هذا الأسبوع إلى السطح، وكأنه عاد من جديد رغم أن خبر عودته إلى الساحة الإعلامية ليس من أجل إعلان ميلاد أدبي جديد ولكن من أجل إعلان رحيله وكأن موته ميلاد جديد له·
في تلك المدينة الباردة ظل قابعا كمن ينتظر شيئا، كان ينتظر عودة تلك الذكريات المترامية في حوافي نهر النيل الساحر ليجمع شتاتها ويعيشها كما عاشها على الورق رفقة بطله الوحيد الذي أصبح شخصية ملازمة له· لقد أصبح هذا البطل أكثر وفاء من بطله ''الزين'' رغم أن هذا الأخير فيه من الألفة والسحر ما يجعله أقرب، ولكن كان مصطفى أقرب ربما لأنه كان طاقة يختزن كل ذلك الضياع الذي عاشه الطيب صالح نفسه، لكن مبدع الشخصية ظل يتحاشى الحديث عنها وكأنها هم علق بمخيلته ليطلقه حبرا وينتهي منه، لكن يبدو أن النقاد لا يترددون في حشر أقلامهم للحديث عن هذا البطل وموازنته بشخصية الطيب صالح·
لعنة الكتابة
رغم أن الرواية سجلت حضورا أدبيا إعلاميا كبيرا، إلا أن الطيب صالح تجاوز تلك الضوضاء الإعلامية ليعيش همّ الكاتب دون أن يقول شيئا آخر· قال في هذا السياق: ''يحدث لكل الكتاب… كل كاتب تصيبه لعنة رواية واحدة، تلتصق به· أنا أزعم أنني تجاوزت رواية موسم الهجرة إلى الشمال··''·
هو لم يتحدث على طريقة رفاعة رافع الطهطاوي أو غيره من الكتاب الذين يكتشفون أوروبا أو الشمال بصفة عامة تحدثوا ''بوصفية'' متبلة بالسخرية والطرافة· الطيب صالح تجاوز هذا الخط ليتحدث عن مأساة حقيقية عاشها رجل من قرية صغيرة بالسودان ليكتشف عالما آخر، يكتشف الآخر وهو محمّلا بإرث مترسب في أناه العميق فيجد نفسه في صدام حقيقي يعتمل بداخله حتى يحوله إلى شخص مركب منعزل منزو لا يدرك ما يجري حوله سوى جملة من الأرقام والنظريات الاقتصادية والهوة العميقة التي ظلت تلازمه حتى اختار وجهة النيل· وفي منتصف الطريق في الضفة الجنوبية من النهر ذهب بعيدا·· فكان ما كان·
اختار أخيرا الروائي الراحل أن يتصالح مع بطله عندما علل أسباب وجوده بقوله: ''لقد كان السودان مستعمرا من طرف الإنجليز وحدث أن وجدنا أنفسنا في نظام تعليم إنجليزي· وإن كان على علاته فهو تعليم ممتاز، إلا أننا وجدنا أنفسنا منذ أن نشأنا نساق في درب جديد ليس الدرب الذي تعلمه أجدادنا، كنا في مواجهة معارف جديدة·· ثم بعد ذلك الغربة في لندن·· والتناقضات·· وموازين القوة المختلة والتراث العربي الضخم، ثم نقارن كل ذلك بأحوالنا الراهنة·· كل ذلك كان حوافز لإيجاد منطق روائي معين لكل هذه التناقضات''·
ولد الطيب بعد فاجعة أمه بطفلين عام 9291, ليحل مولودا طيبا على قرية سودانية تبركا، عاش هذا القادم الجديد في قرية فلاحية بسيطة تتنسم هواء النيل، وقد حفرت فيه عميقا وهو نفسه يعترف: ''لقد كانت قريتي مختلفة تماماً عن الأمكنة والمدن الأخرى التي عشت فيها، ولا شك أن هذه المنطقة هي التي خلقت عالمي الروائي''· ويؤكد أكثر من مرة قائلا: ''في هذه البيئة بدأت مسيرة حياتي، ورغم أنني تعرجت في الزمان والمكان بعد ذلك لكن أثر البيئة لا يزال راسخاً في أعماقي، وأعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه، والإبداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة· حين كبرت ودخلت في تعقيدات الحياة كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوسا عشت خلاله متحررا من الهموم، أسرح وأمرح كما شاء لي الله، وأعتقد أنه كان عالماً جميلا··· ذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر··''· وهذا التوتر يترجمه بوفاء بطله الرئيسي مصطفى سعيد·
تابع الطيب صالح دراسته المتوسطة بمدينة ''بورتسودان'' على البحر الأحمر، وبعدها انتقل إلى ''أم درمان''، لمتابعة دراسته الثانوية في المدرسة الفاخرة ''وادي سيدنا'' التي بناها الإنجليز·
في البداية رغب الكاتب أن يدرس في كلية الزراعة، إذ بدت له ''مسألة رومانتيكية''، كما يقول، لكن سرعان ما هجر هذه الكلية على أساس أن ذلك يكلفه تشريح الفئران والصراصير، وكان ذلك أمرا كبيرا على نفسه المرهفة·
هسهسة المكان
وقرر أن يلتحق بالتدريس، ليدرّس اللغة الإنجليزية في مدينة رفاعة في وسط السودان· وبعدها يجد نفسه في مواجهة تجربة جديدة عندما يدخل دهاليز الغربة مكرها في لندن، وكأن شيئا اقتلعه بقوة ورجه رجة شديدة كان لها أثرها في مخيلته الروائية· وقال في هذا الصدد: ''جئت إلى بلد لم أكن أرغب فيه لأعمل عملا هو كذلك ليست لي رغبة فيه··· تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة والتواصل الاجتماعي لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق في بلد غريب بين قوم غرباء''· وكي يقلل شيئا من الفاجعة تزوج من البريطانية جولي ورزق منها بزينب وسارة وسميرة· كتب أول مرة عام 3591 قصة قصيرة بعنوان ''نخلة على الجدول''، وهي تعبير عن حنينه لبيئته الأولى ومسقط قلبه قريته بالسودان·
وانتظر سبع سنوات لينشر ''حفنة تمر'' ثم ''دومة ود حامد'' لتأتي بعدها روايته الأولى والرائعة التي نشرها عام 4691 تحت عنوان ''عُرس الزين''· عامين بعد ذلك سينشر رائعته التي أصبحت تحفة مهمة في خزانة السرد، روايته الشهيرة ''موسم الهجرة إلى الشمال''، التي ترجمت إلى 65 لغة وتم اختيارها في 2002 من بين أهم مائة رواية في تاريخ الأدب العالمي·
بعد كتابته هذه الرواية، أصابته لعنة الرواية الوحيدة، وأصبحت هي العالم الذي يعيشه· هو نفسه يعترف بأن روايته تلك لعنة· تجاوز المسألة وأصبح يعيش حياته بين قطر ولندن· ليتولى منصبا دوليا في مقر المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم في باريس·
وقد تم ترشيحه للمرة الثانية من قبل كتاب سودانيين وعرب للحصول على جائزة نوبل لهذا العام·· لكنه رحل مخلفا وراءه بطله مصطفى سعيد يتيما بين دفتي ''موسم الهجرة إلى الشمال''·

www.tayebsalah.com

عدد القراءات :1439

اضف تقييمك

التقييم: 5.68/10 (211 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

ALGERIA [belarbi] [ 21/04/2009 الساعة 4:35 مساءً]
كاتب كبير ومفكر عظيم. لقد حالفنى الحظ اننى كنت من حين الى حين اتابع اخباره من خلال التفزيون السودانى. بل ان ما ان ما يميزه عن الاخرين تواضعه و حبه لبئيته ولابناء وطنه
رحمه الله.

ALGERIA [hafida taam] [ 01/03/2009 الساعة 8:06 مساءً]
السلام عليكم...
هكذا عاش الطيب صالح وهكذا مات


متواضعا....بائسا..ولكن ثائرا كان.
هم العظماء


يرحلون وتبقى ذكراهم خالدة تمجدها حروفهم الصادقة وكلماتهم الضاربة في عمق التاريخ ...
الفاضلة وسيلة
لعل مقالك هذا سيخلد بعض مآثر هذا الرجل المبدع

حفيظة طعام
الجزائر


من الأرشيـــف

ضيف النقــاش : عمّي لخضر بورقعة

مهري:الدبلوماسية الجزائرية تسير ''على باب الله''

حكاية اسمها : غــزّة

الملاحـــق






Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2009 www.elkhabar-hebdo.com - All rights reserved


الكاريكاتير | المقالات | الأخبار | خدمات | الرئيسية