مثل نهر قادم من أعماق التاريخ، يندفع الأستاذ علي يحيى عبد النور واثقا من مساره، ملتزما حدوده، مفتوحا على تعدد الآراء والاجتهادات، يقول ما يؤمن به، ويدفع بالتي هي أحسن كل الأفكار التي لا تقنعه·
تربى مناضلا في صفوف الحركة الوطنية، وفهم في وقت مبكر من حياته ألاعيب السياسة، أو بالأحرى ألاعيب رجال السياسة، فاختار المقاومة·· قاوم كنقابي في صفوف اتحاد العمال، وقاوم الاستعمار كجزائري حر، وقاوم وهو في الصف الأول للدولة الجزائرية وزيرا سياسة التسلط، وككل مناضل مؤمن بقضيته، انتهى به الأمر إلى الدفاع عن حقوق الإنسان·· هذا ما نعتقد أنه مسار إنسان سوّي، يقول ما يفعل ويفعل ما يقول·
في الثامنة والثمانين من العمر، يبدو بعقله الناضج وحيويته الروحية مثل شاب في منتصف العمر· صريح إلى حد الجرأة، وواضح في مواقفه إلى حد التجرأ· يعيش ببساطة مطلقة على عكس جيله، لا يملك سيارة ولا شقة مملوكة، ولا رصيدا ضخما في البنك، كل أملاكه المعتبرة هي أفكاره·
وعندما يقول إن على جيل التحرير أن يذهب لأن الجزائر تبنى بشبابها، فهو يعرف ما يقول· لقد قضى جيل التحرير على مكتسبات الاستقلال تماما·
تبدو بعض آرائه غريبة، لكننا لو نضعها في مسار التاريخ، نجدها منطقية، بل مفجعة في منطقها، فهو يقول مثلا عن جيل الثورة إنه انبنى على عقلية التدمير، تدمير الاستعمار، وأنه لم يستطع التخلص من هذه العقلية بعد الاستقلال، ولا تزال هذه العقلية تهيمن على الجزائريين!؟·· وحين يتحدث عن حب الزعامة، يقول إن هؤلاء المتزعمين خرجوا من تحت معطف مصالي الحاج، ذلك الأب الذي جردوه فيما بعد من مستحقات التاريخ·
يقول إن الجزائر لا تعيش تعسف السلطة، وإنما تعسف الخضوع، نحن شعب بلاسيادة، خاضع بلا طلب من أحد، لا نتوفر على قيم ومراجع المواطنة· ولذلك، كلما تأتي سلطة ما، تجد من يخدمها، حتى ولو كانت ليست في حاجة إلى خدماته!؟
تحليله لانزياحات السلطة أيضا مثير للانتباه، فهو يرى أن سلطة الجيش المدير للسياسة من وراء الستار انتهت، وحتى دور المخابرات بدأ يتراجع لصالح الأمن، نحن على مشارف دولة بوليسية، وهذا هو ما يصنع الفرعونية!؟
للأستاذ علي يحيى عبد النور آراء واضحة، وله أيضا أحلام بسيطة يمكن أن تشرق منها الشمس، فهو مثلا يحلم أن تفتح المخابرات ذات يوم قلعتها وتنشر ملفاتها، وما للتاريخ سيبقى للتاريخ· حدث هذا بالشيلي والأرجنتين وجنوب إفريقيا ودول أخرى، ولم تتقوّض أركان الدولة، على العكس، شرعت هذه الدول في بناء مستقبلها على أسس صحيحة· ربما يبدو هذا الحلم خرافيا، لكن يشهد التاريخ أن فتح الحصون المنيعة يبدأ بحكم بسيط·
خلاصة هذا الرجل الذي لا يكف عن التعبير عن خوفه من مستقبل الجزائر، أن الجزائر ليست في أمان تحت سيادة بوتفليقة المطلقة·