شدد عبد الله جاب الله على أنه بقي صامدا أمام محاولات السلطة تكسيره، مؤكدا على أنه على الرغم من المؤامرة التي تعرض لها وكانت سببا في انتزاع حركة الإصلاح منه، فإن الحزب بقيادته الشرعية ظل معه، معتبرا بأنه بإمكانهم أن يأخذوا العنوان دون أن يأخذوا الحزب· وفضل جاب الله عدم الاستغراق في الحديث عن الانتخابات الرئاسية القادمة، معتبرا بأنها ''لا حدث'' وبأنها ''فلكلور انتخابي'' يتم فيه هدر أموال الشعب، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إليها، ووصف حصيلة عهدتي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بأنها سلبية·
استغلال المساجد للدعاية الانتخابية اعتداء على الدستور
قال السيد عبد الله جاب الله إنه يقف بكل قوة ضد استغلال المساجد لأغراض انتخابية· وكان ضيف ''الخبر الأسبوعي'' يردّ بذلك على مبادرة لوزير الشؤون الدينية تجاه أئمة المساجد من أجل الدعوة إلى المشاركة في الرئاسيات القادمة·
علق جاب الله على تلك الدعوة قائلا: ''من المتناقضات الكبرى التي يقع فيها هذا النظام أنه لا يحكم لا بشرع ولا بدستور ويتعدى حتى على القوانين التي يضعها بنفسه وتتحكم فيه الأهواء، فمنذ سنة 91 وهو يحارب استعمال المساجد لأغراض سياسية أو حزبية، حسب زعمه، وها هو يلجأ إلى تلك الوصفة للدعاية لمترشحه''·
وذكّر ضيف الأسبوعية أن مسألة إبعاد المساجد عن النشاط السياسي طرحت خلال الحوار الوطني ونوقشت في باب قانون الأحزاب وأنه هو الذي كان وراء صيغة عدم استغلال المساجد للدعاية الحزبية الموجود في القانون· ''أنا كنت من بين الذين منعوا من التدريس في المساجد منذ ذلك الحين إلى اليوم بدعوى أنني رئيس حزب وأن قيامي بالتدريس في المساجد يتعارض مع القانون، وقد وصل الأمر إلى أن أي إمام يتجرأ على دعوتي إلى إلقاء درس في مسجده، يتعرض للمساءلة وقد يفصل من وظيفته''، كما أضاف مجددا موقفه ''المناهض لاستعمال المنبر للدعاية الانتخابية لفائدة شخص أو آخر فأنا أقف ضد هذا الأمر''·
وردا على ما قالته وزارة الشؤون الدينية عبر الأئمة في المساجد من أن ''التصويت شهادة وأن الله أمر بعدم كتمان الشهادة''، ردّ السيد جاب الله أن الانتخاب في المقام الأول هو حق وليس واجبا· ''الدستور الجزائري يتكلم عن سيادة الشعب· وفي ظل سيادة الشعب يكون الانتخاب حقا وليس واجبا''· وقال إنه يمكن اعتباره شهادة إذا توفرت له شروط الشهادة· وتساءل: هل يجب على الناس أن يخرجوا إلى التصويت في الانتخابات القادمة؟ الجواب: لا يجب عليهم ذلك، لأن الانتخاب حق أولا وثانيا لأن الشروط التي يجب أن تتوفر في الانتخاب لكي يستطيع الشعب أن يمارس حقه هذا بعيدا عن كل أشكال وصور الإكراه والضغط غائبة· وقال إن الانتخاب إذا رافقته شروط إكراه أو ضغط فهو لاغ ولا قيمة له، ويمكنني هنا أن أورد فتوى للإمام مالك في وضع مماثل، فقد سئل هذا الإمام عن شخص يبايع وهو مُكره، فقال لا بيعة على مُكره· هل الانتخابات في الجزائر خالية من الإكراه ومن التدليس على الناس؟ أعتقد أن المتتبعين يعرفون الجواب·
وقال أيضا إن الانتخاب يمكن اعتباره شهادة إذا مارسه الإنسان، أي إذا أراد أن يشهد· ''إنه شهادة ليست مُـتـعـيِّـنـة ومطلوبة لذاتها كفرض عين· ويجب أن نفرّق هنا بين نوعين من الشهادة: الشهادة المتعينة كأن يطلب شخص للإدلاء بشهادته على شخص آخر أو له· هنا يتعين على المطلوب للشهادة أن يشهد وجوبا وشرعا حيث أمرنا الله بعدم كتمان الشهادة· أما إذا لم تكن الشهادة متعينة، فهي من فروض الكفاية إذا أداها البعض تسقط على البعض الآخر''· وقال إن كون الانتخابات في الجزائر لا تتوفر على أدنى شروط النزاهة يجعلها لاغية· وتوقع أن يتغيب الشعب عن التصويت بنسبة كبيرة وقال: الشعب سيؤدي شهادته بالطريقة التي يراها معبرة عن إرادته وتلك الطريقة هي عدم المشاركة لأنه متيقن أن صوته سيُغيَّر· هناك مظاهر من شراء للذمم ومن استغلال للمال العام وللإدارة لصالح مترشح معين، إنها جملة من الممارسات التي تطعن في مصداقية هذه الانتخابات· اسألوا صاحب تلك الفتوى (يقصد وزير الشؤون الدينية) ما قوله في تسخير الإدارة لفائدة مترشح معين·· وما قوله في تسخير المال العام لفائدة مترشح معين؟ ما قولك في إلزام بعض أصحاب المحلات والفنادق والمؤسسات الخاصة بتعليق صورة كبيرة للرئيس المترشح في واجهات مبانيهم وإذا لم يفعلوا ذلك تعرضوا للعقاب؟ هل هذه أفعال مشروعة؟ هذا يعتبر توظيفا لشرع الله في مصلحة خاصة مع تجاهله إذا لم يخدم تلك المصلحة· إنه نفاق مفضوح· من حق الشخص المقصود هنا أن يدعو لمن يشاء إنما أن يلجأ إلى استغلال الدين وتوظيف الآيات القرآنية وفق هواه، فهذا أمر مرفوض· أنا أرفض استغلال المسجد للدعاية الانتخابية· وأقف ضد استعمال النصوص الشرعية بطريقة تخدم معها هذه الفكرة أو تلك· التعاطي مع الشرع يكون كليا وليس جزئيا نأخذ منه ما يخدم مصلحتنا وندير ظهرنا للباقي·
علاوة· ب
الحراقة وصمة عار في جبين النظام
قال عبد الله جاب الله إن ظاهرة الحرافة تعد وصمة عار كبرى في جبين نظام الحكم، وإثباتا لإفلاس عهدتي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المترشح لعهدة ثالثة في الانتخابات الرئاسية شهر أفريل المقبل، مستنكرا ما وصفه بالطريقة العدوانية في التعاطي مع الحرافة·
وقال ضيف ''الخبر الاسبوعي'' إن ظاهرة الحرافة ''وصمة عار كبرى في جبين النظام الجزائري وحلفائه وأوليائه وأنصاره''، مشددا على ضرورة مراجعة الدولة نفسها بسبب ما اعتبره إفلاسا لها·
وأوضح القيادي الإسلامي أن ''أبناء الوطن بمستويات معتبرة، الكثير منهم جامعيون، يتركون كل شيء ويغامرون بحياتهم''، مؤكدا أنه تلقى شهادات ممن هم مكلفين بملف الحرافة تتحدث عن هجرة البعض مع أزواجهم وأولادههم على متن قوارب أجروها، تاركين كل شيء وراءهم''، مما يوحي بمدى درجة اليأس والإحباط اللذين يعانيهما الشعب·
واستنكر لجوء الدولة إلى الخطاب العدواني في التعاطي مع الظاهرة بدل من مراجعة نفسها إزاء الظاهرة وأسبابها، مشددا على معارضته لتجريم الحرافة، حيث قال بأن ''تجريم الظاهرة يعتبر احتقارا للشعب''· ونصح أن تكون الظاهرة محطة لمحاسبة النفس، وليس لمزيد من الشتم والعدوان على الشباب، معتبرا التصرف خاطئا لأنه أدى، كما قال، في نهاية الأمر إلى عزوف الشعب عن النظام والانفصال عنه·
ك· م
أطراف قالت لبوتفليقة بأني أنال من عرضه في مجالسي فاستبد به الغضب
قال عبد الله جاب الله إنه يحمل مسؤولية انتزاع عنوان حركة الإصلاح الوطني منه إلى رئيس الدولة نفسه، وأضاف أنه أبلغ هذا الكلام إلى وزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني· وأشار إلى أنه ابتداء من عام 2003 أبلغ أن هناك ضربة ستوجه إلى حركة الإصلاح، مشيرا إلى أن هذا التحذير الذي تلقاه من ''خيرين في أجهزة الدولة'' تكرر مرة أخرى في 2004 مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في أفريل من السنة ذاتها، مؤكدا على أن أطرافا، في إشارة إلى أحزاب التحالف الرئاسي، تخوّفت من حركة الإصلاح، وكانت متأكدة أنها ستفوز بالانتخابات التشريعية التي جرت في 2007 إن شاركت فيها بقيادتها التاريخية، خاصة على ضوء نتائجها في انتخابات 2002 وحصولها على المركز الثاني بعد جبهة التحرير الوطني·
وشدد جاب الله على أن هذه الأطراف أوغرت صدر الرئيس بوتفليقة بأكاذيب عنه، موضحا أن بعض هؤلاء أبلغوا الرئيس أني أنال من عرضه في مجالسي الخاصة في الداخل والخارج، وأن هذا يكون قد جعله يستشيط غضبا، وأكد على أن هذا الكلام غير صحيح، وأضاف قائلا: ''أنا أعارض بوتفليقة، وأنتقد سياساته، ولكن لا أنال من عرضه، لأن هذه ليست من أخلاقي ولا تربيتي''·
وذكر جاب الله بأنه مرّر الرسالة إلى الرئيس بوتفليقة بتكذيبه الكلام الذي نقل إليه، مؤكدا على أنه كلف بلخادم بنقل هذا التكذيب إلى رئيس الجمهورية، موضحا أن بلخادم استمع إليه، وقال بأنه سيقوم بإبلاغ بوتفليقة بما سمع من جاب الله، لكن لا أدري إن كان قد أبلغه أم لا، على حد قول ضيف ''الخبر الأسبوعي''، الذي أشار إلى أنه أبلغ بلخادم بأنه مستعد لقول هذا الكلام للرئيس بوتفليقة ويشرح له الأمر، لو حدث والتقى به·
ورغم أن جاب الله اعترف بأنه يعرف تفاصيل ما نقل إلى الرئيس بوتفليقة وكذا الأطراف التي شحنته ضده، إلا أنه فضل عدم الخوض في التفاصيل وعدم ذكر الأسماء، موضحا أنه سيأتي وقت يكشف فيه الجوانب المظلمة المتعلقة بهذه القضية التي جعلت بوتفليقة يغضب على حركة الإصلاح، ويحدث معها سيناريو التحطيم الذي تعرضت له خلال السنوات القليلة الماضية·
كريم بن شيخ
نحن محكومون من قبل نخبة لا تؤمن بحقوق الآخرين
قال عبد الله جاب الله إنه كان من أوائل الذين دعوا إلى التداول السلمي على السلطة وقت الانفتاح السياسي في الجزائر نهاية ثمانينيات القرن الماضي، كاشفا النقاب عن مبادرة يصفها بالجديرة لحل الأزمة، شريطة أن ترتكز على قاعدة صلبة تضم جميع القوى السياسية بمختلف مشاربها·
كمال منصاري
أوضح ضيف ''الخبر الاسبوعي'' أنه طرح أرضية يمكن أن يجتمع حولها ''من هم مؤمنون بالتغيير''، تشمل ثلاثة محاور، مؤكدا أن هذا التغيير ضرورة في البلاد ويتم بوسائل سلمية· وشدد على أن مهمة التغيير لا يقوى عليها تيار واحد مهما عظم شأنه، بل لابد أن تتعاون عليها جميع التيارات المؤمنة بالتغيير·
وأوضح جاب الله بأن هذه الأرضية ترتكز في محورها الأول على ثوابت المجتمع ومقومات شخصيته، حيث قال إن المجتمع لا يعرف سبيلا نحو شيوع الأمن والاستقرار وقيام حكم راشد يحسن تنظيم القوى والمصلحة، بما يرعى الصالح العام ويحفظ الحقوق والحريات الفردية والجماعية على أساس الشرعية والمشروعية، حتى يقيم نظام حكمه على قاعدة احترام ثوابت الأمة ومقومات شخصيتها، وفي مقدمتها الإسلام واللغة وبقية مقومات شخصيته·
ويقوم المحور الثاني للأرضية التي يقترحها مؤسس حركتي النهضة والإصلاح، على بسط الحريات لصالح الجميع، دون تمييز ولا مفاضلة، مع توفير ضمان احترامها ضد التعسفات والتجاوزات· وفي ذات السياق، يقول إن ''الدستور الجزائري من 1989 إلى الآن، تطرق إلى بعض الحريات وبعض ضمانات لحمايتها، كما أشار إلى مبدإ الفصل بين السلطات كأهم ضمان في الأصل لحماية الحريات ومنع الاستبداد وصون الشرعية، لكن في نفس الوقت، لم يتناول الجوانب التي تعزز هذا المبدأ وهذه الضمانة''·
واستطرد القيادي المحسوب على التيار الوطني الإسلامي أن ''الدستور لم يراع فصل الصلاحيات بين السلطات، حيث أعطى معظم الصلاحيات للسلطة التنفيذية الممثلة في رئيس الجمهورية، وهمش إلى حد بعيد جدا السلطات الأخرى، سواء السلطات القضائية أو التشريعية، مما حولها مع الزمن إلى مجرد وظائف على شاكلة الوظيفة القضائية أوالتشريعية''· واعتبر بأن إهمال الدستور لهذه المسألة قد فتح الباب واسعا لشيوع الاستبداد والتعسف بالحريات والحقوق والقوانين حيث أضحت القوانين، كما أضاف، لا شرعية لها، بل تعبر عما يريده الحاكم، في ظل جود برلمان جاهز ليصفق ويصادق على كل ما يطلب منه·
وأكد مؤسس حركة الإخوان المسلمين في الجزائر أن الحريات تعتبر في تجارب الشعوب أهم عامل لتفجير الطاقات، وتقوية العلاقة بين السلطة والشعب، وفتح أبواب الإبداع أمام كافة المواطنين، وهي في نظره تخدم مبدأ الكرامة الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معان· وألح القيادي المعارض أن الحرية بمثابة مسألة جوهرية وأساسية في نظام الحكم، مع توفير كافة الضمانات ضد التعسف·
أما المحور الثالث لهذه الأرضية فيهدف، كما أضاف، إلى تعزيز التعددية الحزبية وتكريس مبدإ تداول الأحزاب على السلطة· وقد شدد الشيخ في معرض حديثة على مبدإ تداول الأحزاب على السلطة عن طريق انتخابات قانونية وحرة ونزيهة، تقتضي بالضرورة حياد الإدارة حيادا كاملا· وأكد في ذات السياق على ضرورة إبعاد الإدارة عن الاستعمال السياسوي من طرف من يكون في السلطة· وقال: ''إن تقويم التجربة الديمقراطية في الجزائر أظهر أن الإدارة في كل القطاعات، من الوزير إلى أدنى مسؤول على المستوى المحلي، تتحول إلى حزب يسخر لمن بيدهم القرار''، وهم الذين لا يرعوون عن استعمال أي شيء تحت سلطة الإدارة لصالح من بيده القرار وهذا الشي، كما أضاف، جعل الانتخابات عبثية في البلاد وزرع اليأس في قلوب المواطنين والتشاؤم وعدم الثقة والامتعاض من التعددية الحزبية·
ومع هذا، يرى جاب الله أن محور التداول على السلطة بالغ الأهمية، لاسيما في النظم التي تحترم سلطة الشعب وتفي بكل مقتضياتها، معتبرا بأن المسألة بحاجة لتعزيز أكثر·
وشدد على أنه هو الذي دعا ''إلى التداول السلمي على السلطة ونظر لها وحاول الإقناع بها منذ الانفتاح السياسي، عقب دستور 23 فبراير .1989 لكن مبادرته ميعت حينها من طرف النخب النافذة، التي وصفها بأنها في واد والحريات الديمقراطية في واد آخر، مؤكدا بأنه تبين لديه باليقين بأن النخبة الحاكمة والحريات الديمقراطية شيئان لا يلتقيان· واعتبر أيضا أنها فئة متشبعة بالفكر الأحادي، لا تهمها إلا مصالحها، ولا تتوانى في أن تستعمل كل شيء من أجل خدمة مصالحها التي وصفها بالمحرك الوحيد الذي يتحكم في كيانها وعلاقاتها·
وأكد ''ضيف الخبر الأسبوعي'' أن طغيان المصلحة المادية على النخب يعد خطرا حقيقيا على وحدة الأمة وعلى قوة الدولة والأهداف السامية للنظام، مما يوضح بأن ثمة حاجة ماسة إلى تعزيز التعددية الحزبية· وأوضح جاب الله أن هذه الأرضية يمكن أن تشترك فيها مختلف التيارات، سواء الإسلامية أو العلمانية، وكذا كل فئات المجتمع المؤمنة بالتغيير، يكون قاسمها المشترك النضال الواعي الراشد والصادق والشجاع في نفس الوقت بهدف إحداث تغيير حقيقي· وقال في ذات السياق: ''نحن محكومون من قبل نخبة لا تؤمن بحقوق الآخرين إلا بعد ضغط سلمي قوي''·
السلطة تبنت بعض أفكار عقد روما مجزأة
أكد سعد عبدالله جاب الله أن النظام اعتمد أجزاء عديدة وعلى عدة مراحل، مما سمي بالعقد الوطني أو عريضة حل الأزمة التي تبنتها المعارضة خلال لقاء سانت إيجيديو بروما شهر جانفي .1995 معتبرا بأن التاريخ سيكشف عن من كان السبب في فشلها·
قال ضيف ''الخبر الاسبوعي'' إنه كان طرفا أساسيا في صياغه عقد روما وعمل على تقويته وتفعيله، لكن مبادرة المعارضة باءت بالفشل· وكشف جاب الله أن مجموعة القياديين المشاركين في لقاء سانت إيجيدو، من بينهم حسين أيت أحمد زعيم جبهة القوى الاشتراكية، وأحمد بن بلة رئيس الجمهورية الأسبق، وعبدالحميد مهري الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، ولويزة حنون زعيمة حزب العمال، فضلا عن شخصيات من الحزب المحل، كلفته بتبليغ العقد الوطني للسلطة·
وأوضح بأنه اتصل حينها بالرئاسة وطلب لقاءالرئيس اليامين زروال، لكنه رد عليه كما قال: ''إذا أردت المجيء إلى الرئاسة، فعليك أن تأتي بصفتك الشخصية أو الحزبية، أما باسم مجموعة العقد الوطني، فنحن لا نعترف بهذه المجموعة''·
ولم يتم استقباله من قبل الرئاسة، لكن لاحقا، نظم الرئيس اليامين زروال لقاءات ثنائية مع بعض رؤساء الأحزاب ليلتقي مؤسس حركة النهضة والإصلاح بالرئيس· وخلال هذا اللقاء، يضيف جاب الله، فإنه تحدث مع زروال مطولا بشأن العقد الوطني، حيث قال: ''قدمت وجهة نظري وحاولت إقناعه بأن العبرة في المضمون، لكنه تمسك بفكرة عدم الاعتراف بالمجموعة''·
ومع ذلك، يؤكد المعارض الإسلامي بأن النظام تبنى بعض أفكار العقد الوطني وطبق أجزاء منها بطريقته الخاصة، مستدلا بالمصالحة الوطنية التي قال إنها أفرغت من محتواها· وقال إن السلطة أدارت المعركة ليس بمنطق البحث عن حلول للأزمة التي تسمح في النهاية بتأسيس حكم راشد، بل بعقلية الغالب والمغلوب· واعتبر جاب الله أن ''هذه العقلية تهدم ولا تبني''، مشيرا إلى أنها قد تحقق نوعا ما نصرا موهوما لجهة من الجهات، لكنها لا تبني دولة ولا تبسط الحريات ولا تمنع الظلم، لا تنشر العدل على الإطلاق، لا ترفع من القيم والأسس الكبرى التي تبنى عليها الأنظمة الراشدة، كقيمة الحرية، العدل والديمقراطية''· وأضاف أن جميع الحلول التي قدمها النظام لم تعالج المشاكل الجوهرية للأزمة، لاسيما ظاهرة انفصال الشعب عن النظام،
ضاربا المثل بأن الشعب غير متعاط إطلاقا مع الرئاسيات، حيث يعتبرها ''لا حدث''·
وأوضح أن ''النظام لا يريد أن يفهم الحقيقة، ولا يريد أن يعالج الأزمة بعقلية أخرى غير منطق الغالب والمغلوب''، مشيرا إلى أن النظام أغرق المشهد السياسي في منطق الحساب العددي زاعما بأن الأغلبية معه وأقلية فقط ضده· وقد وصف جاب الله الأغلبية بأنها مجرد أصفار، مؤكدا مرة أخرى أن المعارضة ليست هدامة، وأن الشخصيات التي توالت على قوى المعارضة لها من الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية والغيرة على البلاد ما يفوق بكثير ما لدى النخبة الحاكمة، التي تزعم بأنها أمينة على الصالح العام وحماية المصالح العليا للدولة·
وشدد ضيف ''الخبر الاسبوعي'' على أن النظام لم يحسن التعاطي مع شخصيات عقد روما، حيث قابلهم بمنطق أنهم أعداء أو خصوم غير نزهاء، ثم بمنطق بوليسي بالعمل على تكسيرهم وتشويه سمعتهم، واصفا هذا التصرف بأنه نابع من ''عقليات ونفسيات صغيرة''·
كمال· م
النظام يلغم ويخترق كل مبادرات التنسيق بين المعارضة
عن سؤال يتعلق بسبب غياب التنسيق بين الشخصيات والأحزاب المعارضة المطالبة بالتغيير رغم تقاسمها لنفس الأفكار والمبادئ، أوضح جاب الله أن الالتفاف حول هذه الأفكار شيء إيجابي، ولكن تطورها إلى تنسيق يخضع إلى منطق التدرج، خواطر، أفكار، ثم قناعات، مؤكدا على أن هذه المسائل تحتاج وقتا لتأخذ شكلا نهائيا·
وأشار إلى أن التغلب على الذاتية وعلى الخلافات الإيديولوجية شيء إيجابي وينبئ بالخير، معتبرا أن محاولات التنسيق التي وقعت في الماضي أجهضت كلها بسبب الأطراف التي شاركت فيها، موضحا أن النظام أخطبوط بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأنه استطاع في كل مرة كانت هناك مبادرات أو تكتلات أن يخترقها ويلغمها، حتى يفجرها في الوقت المناسب·
وقال إن النظام يرسل رجاله للانضمام إلى مثل هذه المبادرات، ويشتركون في جميع مراحلها التمهيدية، يتابعون، يتحدثون، وينقلون كل ما يحدث بداخلها إلى الجهات التي أرسلتهم، ثم في الوقت المناسب الذي نكون فيه بحاجة إلى الجميع، يسحب النظام رجاله وتسقط المبادرة في الماء، مشددا على أن هذا الأمر تكرر عدة مرات، وكان السبب في إجهاض كثير من المحاولات لخلق إجماع حول أرضية معينة·
واعتبر أنه من الأشياء التي تعيق أيضا القيام بهذه المبادرات هو طبيعة الإطارات الجزائرية، الذين يتبنون جميعا خطابا معارضا، حتى لو كانوا في موقع المسؤولية، مشيرا إلى أن الرئيس بوتفليقة نفسه لو تجلس إليه، تسمع منه خطابا معارضا لسياساته ورجاله ما يتجاوز كل ما تكتبه المعارضة· كما أن هؤلاء الإطارات بمجرد أن يبعدوا من المناصب، يتحولون إلى زعماء معارضة· أما الصفة الثانية في هؤلاء، فهي أنه بمجرد أن يستدعيهم النظام يسارعون إليه، ويتركون كل شيء، مذكرا بالوجوه التي حضرت حفل إعلان ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة ثالثة، من مدنيين وعسكريين من الذين كانوا يصنفون في دائرة خصومه، والذين ساروا ضده في انتخابات الرئاسة لعام .2004
ك· ز
أخذوا مني العنوان ولم يأخذوا الحزب!
تحاشى جاب الله الإجابة بصفة واضحة عن نيته في العودة إلى الساحة السياسية بحزب جديد أو شيء من هذا القبيل، واكتفى بالقول إن هذا الأمر وارد، ولكنه أكد حضوره في الانتخابات التشريعية لعام .2012 ''نشارك في هذا الاقتراع، ولكن لم تحدد الكيفية بعد''، يقول ضيف ''الخبر الأسبوعي''، الذي يؤكد أن النضال لا زال متواصلا بالوسائل المناسبة· ''لقد أخذوا عناوين الأحزاب، ولكنهم لم يأخذوا الإطارات والأفكار· إنني حامل لمشروع سياسي، أنا المؤسس لحركة الإخوان المسلمين في الجزائر، اتهمني الأمن بذلك، في وقت سابق، دون أن يثبت ما يقول· أنا سأواصل عملي في العلنية بكل الوسائل المتاحة''، يقول جاب الله، الذي يبدو غير مهتم بمصير حركة الإصلاح الوطني التي أسسها بعد مغادرته لحركة النهضة· وانتقد بشدة الطريقة التي تصرفت بها وزارة الداخلية لإبعاده من حركة الإصلاح عن طريق العدالة: ''في هذه القضية، داسوا على القوانين ولطخوا القضاء لإبعاد جاب الله، ولكن جاب الله لا زال في خدمة المشروع الذي يناضل من أجله''·
انفجار حركة الإصلاح كان بعد الموقف من الانتخابات الرئاسية لـ2004 ويزعم هذا الحزب حاليا محمد جهيد يونسي، أحد المقربين السابقين لعبد الله جاب الله، المترشح لاقتراح 9 أفريل المقبل· ويؤكد جاب الله أن تنظيمه السياسي الذي لا يحمل اسما لا زال قائما، يقول: ''هناك الآلاف من الإطارات في هذا التنظيم، المكتب الوطني موجود، مجلس الشورى موجود، المكاتب البلدية موجودة··
·حاولوا يطيحونا وما قدروش''•
وبحسب رأيه، فإن الأوفياء لخط جاب الله السياسي موجودون في كل قطاعات المجتمع (التعليم، الصحة، الإدارة، الهندسة···)
ويذكر أنه رغم المحاصرة والمنع من التدخل في الإذاعة والتلفزيون، فإنه يواصل نشاطه، بحيث أنه نظم جامعة صيفية تم الاتفاق فيها على ضرورة المحافظة على تماسك التنظيم الذي يتزعمه·
وقال إن مجلس الشورى هو الذي سيفصل في قضية إعطاء عنوان لحزب جديد أو اتخاذ تدابير أخرى· وفي هذا السياق، أكد جاب الله أن ثمة اتصالات موجودة الآن بين أبناء النهضة التاريخية، وأبناء إصلاح الشرعية وإصلاح الأخرى قد تثمر بمشروع جديد· ''اليد ممدودة''، يقول جاب الله·
أثير في المدة الأخيرة أن عبد الله جاب الله قد يعود إلى تزعم حركة النهضة الإسلامية التي قاطعت المشاركة في الاستحقاق الرئاسي القادم واتخذت نبرة جديدة في خطابها السياسي يخالف ذاك الذي اتخذته بعد إجبار عبد الله جاب الله مغادرة هذا الحزب· تذبذب المواقف داخل الحزب في السنوات الأخيرة جعله ينهار انهيارا شبه كلي في تشريعات ,2007 بحيث أنه لم يحصل إلا على مقعد واحد، الشيء الذي جعل الكثير من الملاحظين يتنبأون بنهاية غير سعيدة لهذا التنظيم السياسي، الذي حاول أن يدخل بيت الطاعة ولكنه لم يتعد العتبة·
أما عن تمثيله للتيار الإسلامي في المشهد السياسي الجزائري، فزعيم حركة النهضة سابقا يرفض أن يعطي لنفسه صفة احتكار التمثيل، كما أنه لا يريد أن يعلق على مواقف حركة مجتمع السلم، أحد أعضاء التحالف الرئاسي الداعم لعبد العزيز بوتفليقة: ''إن الساحة السياسية مفتوحة، والكل له الحق في النشاط''· ويطالب جاب الله بعمل سياسي مبني على مصالح خاضعة لمبادئ ''يحكمها الحق، الخلق والعدل·· هذه نظرتنا للسياسة، نحن نرفض سياسة تحميها وتحكمها القوة''، يضيف جاب الله، الذي يذكر أن في ندوة الوفاق التي نظمت عام 1991 تحت رئاسة سيد أحمد غزالي، رئيس الحكومة الأسبق، اقترح تعويض عبارة ''قواعد اللعبة السياسية'' بعبارة قواعد ''الممارسة السياسية: ''هذا الاقتراح قد قبل وتمت المصادقة عليه قبل أن ينزع من طرف بعض الخبراء''، يشير جاب الله·
فيصل مطاوي
حصيلة بوتفليقة سلبية
يرى عبد الله جاب الله أن حصيلة تسيير عبد العزيز بوتفليقة للجزائر، بعد عهدتين من الحكم، سلبية، حصيلة تتميز، حسب رأيه، بتراجع الحريات، بالدوس على الدستور والقوانين، بتكريس الاستبداد والاستغلال، بانتشار كافة أنواع الفساد المالي والأخلاقي، بتقزيم السلطات القضائية والتشريعية، ''التي أصبحت مجرد وظائف''، بالعدوان على التعددية السياسية وبمهاجمة كل المعارضين· ويذكر جاب الله أن إطارات مقربة منه قد تم عزلها من مناصبها بسبب مواقفها السياسية· ويضيف ''حتى التجار المقربين منا تم تفقيرهم بتسليط الضرائب عليهم''·· وأعطى ضيف ''الخبر الأسبوعي'' مثالا لهذه المطاردة ذاكرا رئيس بلدية سكيكدة الأسبق الذي أودع السجن بتهم واهية ''لمجرد تحكمه في تسييره لشؤون البلدية بشهادة كل الناس''· ويقول جاب الله إن المعارضة في الجزائر ليست هدامة، خلافا لما تقوله السلطة، وأنها تحرص أكثر بكثير من النخب النافذة على المصالح العليا للبلاد، ''تتعامل السلطة مع المعارضين وكأنهم أعداء، إن هذا المنطق البوليسي هو الذي جعل السلطة تحاول تكسير كل ما يخالفها الطرح''، يقول جاب الله الذي استدل بحملات التشويه التي مست شخصه بعد الاقتراع الرئاسي لعام .2004
من جانب آخر يرى جاب الله أن حصيلة عشر سنوات من التسيير لعبد العزيز بوتفليقة فيها بعض الجوانب الإيجابية مثل تسديد الديون الخارجية وتحقيق بعض الجزئيات في مشروع المصالحة الوطنية·
ف· م
الاستحقاق الرئاسي لا حدث
يعتبر عبد الله جاب الله الاستحقاق الرئاسي المقبل لا حدث·· فلكلور حقيقي يتخلله هدر لأموال طائلة الشعب في أمس الحاجة إليها·
''إنني لا أرى ضرورة من تنظيم هذه المهزلة الانتخابية التي تشكل تراجعا صارخا في البناء الديمقراطي في البلاد واستخفافا بقدرات الأمة''، يقول زعيم حزب النهضة سابقا· هل الاقتراع الرئاسي لـ9 أفريل مفتوح أم مغلق؟ ''الجواب واضح''، يرد ضيف ''الخبر الأسبوعي، بما معناه أن نتائج هذا الاستحقاق معروفة مسبقا بفوز عبد العزيز بوتفليقة فيها·
ووجه جاب الله نصيحة إلى الصحافة الوطنية لعدم الاهتمام بهذا الموعد السياسي، واصفا إياه بالعبثي ''الشعب غير مهتم بهذه الانتخابات· تصرفات السلطة زرعت اليأس في وسط المجتمع· اليوم أصبحت السلطة في واد والشعب في واد آخر''، يضيف جاب الله، منددا بتصريحات أحمد أويحيى الذي اتهم أصحاب المقاطعة ''بتشويه صورة الجزائر والمساس بالاستقرار الوطني''·
''هذا الخطاب عدواني يدخل في جملة العوامل التي تعزز انتشار اليأس وانفصال الشعب عن السلطة، عوامل تحضير القابلية لحالة اللاأمن واللاإستقرار''، يقول جاب الله الذي يتهم النخب النافذة برفض التداول السلمي على السلطة وترجيح المصلحة الشخصية ''لدى هذه النخب كل شيء أصبح ممكنا من أجل تحقيق مصالحها· طغيان هذه المصالح يشكل خطرا على المصلحة العامة وعلى حقوق وحريات الآخرين''، يلاحظ جاب الله· في نظره، السلطة أصبحت غاية، هدفا واستراتيجية لدى هذه النخب· ويستغرب جاب الله تصرف أصحاب القرار الذين يتعاملون مع الأزمة بمنطق الغالب والمغلوب·
وانتقد عبد الله جاب الله استعمال عبد العزيز بوتفليقة، المترشح الحر لخلافة نفسه، بعد اقتراع الـ9 من أفريل القادم، لوسائل الدولة في حملة انتخابية سابقة لأوانها (زيارات بوتفليقة لبسكرة والبليدة وأرزيو وسيدي بلعباس اعتبرت من قبل المعارضة حملة انتخابية غير معلنة)· ويرى جاب الله أن الشروط الأدنى من النزاهة غير موجودة وغير مضمونة في الاستحقاق الرئاسي القادم·
فيصل· م
إلغاء عقوبة الإعدام تعدٍّ على حدود الله
عارض عبد الله جاب الله بقوة إلغاء عقوبة الإعدام في الجزائر· وقال إنه لا يمكن إلغاء مثل هاته العقوبة تحت أية ذريعة كانت·
ويدور جدل واسع الآن بخصوص هذه المسألة، حيث تتباين الآراء والمواقف بين مؤيد لإلغائها ومعارض له· وينطلق الداعون إلى تطهير القانون الجنائي الجزائري منها من انعدام كامل للضمانات الواجب توفرها في عدالة مستقلة عن الجهاز التنفيذي، فوق أن الخطأ في تطبيق تلك العقوبة لا يمكن إصلاحه· أما المدافعون عن التمسك بها، فهم يرفعون جانبها الشرعي الإسلامي كحجة غير قابلة للنقاش·
عبد الله جاب الله يقول إنه ''بدل السير في طريق إلغائها، يجب السير في طريق آخر، طريق توفير الشروط والضمانات المطلوبة التي تضمن نزاهة العدالة بشكل عام''· ويعود إلى الشريعة الإسلامية قائلا إن تلك العقوبة ''بصفتها قصاصا لا يمكن إلغاؤها، كما لا يمكن إلغاء عقوبات الحدود، فهي حدود شرعية قررها الله في كتابه وأكدها الرسول في أقواله، فلا يحق لأي كان، سواء كان فردا أو نظام حكم أو أي نظام في العالم كله، أن يلغيها''·
وهو يرى أن الحكم متعلق بإرادة الله، وهي فوق الجميع· وبذلك، فإن طرحه للمسألة يتجاوز القانون الوضعي الذي حصره فيها المنادون بإلغائها· ومن هنا، يؤيد موقف عبد الرحمان شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين، في تصديه للدعاوي المناهضة لها· وقال جاب الله إن شيبان عالج الأمر من زاوية شرعية بحتة إذا توفرّت شروطها، والتي من ضمنها الحدود والقِصاص· ويضيف إن مسألة كون الشريعة غير مطبقة في الجزائر هو واقع، وكونها تشكل مصدرا ثانويا في التشريع، كما ينص على ذلك القانون المدني، هو من الأخطاء الكبرى ''لأن الشريعة ترفض رفضا مطلقا أن تكون إلى جانبها أو معها شريعة أخرى تحت أي إسم كانت· الشريعة إما أن تكون كلها أو لا تكون· إنه موضوع يُعالج تحت بند السيادة، سيادة الأمة التي يقابلها مصطلح الديمقراطية، باعتبار أن حق التشريع موكول للأمة، مُمثلة في نوابها· في الإسلام، التشريع من حيث الإنشاء هو لله، وهو مرتبط إرتباطا وثيقا بالعقيدة وبالعبادة''·
ب·ع
ولنا رأي
عبد العزيز غرمول
الرقم الصعب
خلال ثلاثين سنة من عمرنا، ظل اسم عبد الله جاب الله يتردد أحيانا كمتهم، وأحيانا كمناضل، وفي غالب الأحيان كضحية، لكنه حاضر دائما بصوته العالي، وأفكاره التي لا تهادن، وإيمانه بقضيته التي لا يدنو منها الشك··
في الثالثة والخمسين من العمر، يبدو مثقلا بماضيه الذي عرف فيه الاستنطاق والسجن والمتابعات البوليسية والتهميش والمؤامرات التي تحاك له نهارا جهارا··· لكنه أيضا مثقل بخبرته السياسية التي رشحته مرات عديدة للتحكم في السلطة، وجعلت منه قوة في البرلمان، ومرشحا للرئاسة، وشخصية وطنية يحسب لها الحساب، وبجملة مختصرة: لقد أصبح رقما صعبا في السياسة الجزائرية الصعبة أصلا·
لكن خطورة الرجل لا تكمن في فن ممارسة السياسة، فهو لاعب كبير ومتفنن، وإنما تكمن في فن ممارسة الدين كمرجع سياسي، هنا لا يخفي سعد عبد الله جاب الله أفكاره ولا نواياه، ''أنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في الجزائر ورئيسها''· وخاض حربا ضروسا مع المخابرات الجزائرية، من أجل نشر أفكاره الدينية المغلفة بالسياسة، ''حياتي في السرية أطول من حياتي الرسمية والعلنية''· وهو لا يزال حتى اليوم ممنوعا من التدريس في المساجد على اعتبار أنه محرّض ومجند لأفكار الناس، وأكثر من ذلك، حين يؤسس جمعية النهضة للعمل الخيري تكون عينه على حزب سياسي، وحين يؤس حزب الإصلاح والعدالة تكون عينه على تربية الناس···
لا يوجد هناك تناقض في شخصية الرجل فهو هكذا، يعمل على الوصول إلى السلطة عن طريق الدين، وينشر أفكاره الدينية عن طريق السلطة·
ومع ذلك لا يمكن اتهام الرجل بالبحث عن السلطة بأي ثمن، ففي الخامسة والعشرين من العمر عُرضت عليه من بابها الواسع (أمينا عاما لوزارة الشؤون الدينية) ورفضها، وعُرض عليه الدخول في الائتلاف الحكومي وهو القوة الثالثة في البرلمان، ورفضها أيضا· وحين سحب منه وزير الداخلية رئاسة حزبه وأعطاها لغرمائه، قال حسبنا الله ونعم الوكيل·· ومضى إلى أشغاله·
مشكلة السيد جاب الله الخطيرة هي أنه يمارس السياسة بأخلاق، بينما السياسة في الجزائر لم تعد لها أخلاق، لذلك يجد نفسه أحيانا في أوضاع لا يحسد عليها، ومن أخلاقه مثلا أنه يمارس السياسة من أجل الآخرين، من أجل الناس الذين يؤمنون بأفكاره، بينما الساسة في الجزائر يمارسون السياسة من أجلهم هم· من أجل رفاههم الشخصي·
نختلف أو نتفق معه يبقى جاب الله واضح المواقف، متفائلا على العموم ''ثمة قدرة على التغلب على الخلافات'' وهذا انتصار للطبقة السياسية المعارضة، لكنه بالمقابل يعبّر بقلق عن ذلك ''التدليس'' الذي يقوم به رجال النظام الذين يتحدثون بلغة المعارضة، ويخترقون صفوف المعارضة، ثم يزرعون الشكوك والخلافات ويكسرون أي مبادرة إيجابية لمواجهة نظام الحكم·
كل مشروعه الحالي هو أنه يسعى للمّ شمل رجال النهضة التاريخيين، ليعيد بهم تشكيل خريطة العمل السياسي· وبتفاؤله الدائم، يقول إنه وجد منهم ''تجاوبا إيجابيا وواعيا جدا''·
في المحصلة النهائية نجد ونحن نستقرئ الواقع السياسي الجزائري أنه الرجل الوحيد الذي بقي معارضا، واقفا، مؤمنا بأفكاره التي يعتبرها رأسماله الحقيقي··· بينما من كانوا محسوبين على المعارضة باعوا أنفسهم للشيطان·