خريطة الموقع
الأحد 14 مارس 2010م

اللعب بروح الفريق  «^»  فلاسفة الهزيمة  «^»  في عيدها...!  «^»  مسلسل الجنون!  «^»  صراع على "السلاطة" بواسطة زيت الزيتون  «^»  حكاية غير مستقيمة  «^»  العَلَم يا ناس!  «^»  مملكة الشياطين...!  «^»  When to free? ... Viva l'Algerie!  «^»  البرادعي.. البردعة.. ودواب الحارة جديد المقالات


مكتبة الأخبار
مســاهمة
في تعاطي المثقف للسياسة: رأي أبديه ولا أبتديه









في تعاطي المثقف للسياسة: رأي أبديه ولا أبتديه

يقول هيغل: إن دور المثقف تفرضه عليه ماهيته التعيسة''، إن النظرة الهيغلية ترى أن الوضع المتعدد الأبعاد الذي يعيشه المثقف، يعود بالأساس إلى تركيبته النفسية ووضعه المتميز كمثقف· ويبدو أننا لو حاولنا التمادي في فهم هذه العبارة، فإننا سنصل إلى إقرار نوع من التعاسة التي يعيشها المثقف مع ذاته ومع محيطه، ولنركز ها هنا على تعاطيه مع المناخ السياسي·

لا شك أن ''فن الممكن'' يستهوي المثقف من حيث كونه مجالا يمكن أولا وقبل كل شيء من تجسيد الأفكار والتصورات التي يبنيها المثقف عادة لخدمة المجتمع وبالتالي تحقيق ذاته من خلال ذلك، لكن هل كل مثقف دخل معترك السياسة كان ناجحا؟
بالتأكيد نستطيع أن نجزم بالإجابة بلا، إذ أن الكثير من المثقفين دخلوا معترك السياسة وخرجوا منها بسمعة ملطخة، والتساؤل المنهجي القائم هنا هو: هل العيب كان فيهم أم في لعبة السياسة التي قد تحطم المثقف أحيانا، حينما تستند إلى مرتكزات، قد لا يعيها المثقف واقعيا، وإن كان قد قرأ عنها في الكتب؟ إن كلا الاحتمالين وارد·
فهناك فئة من المثقفين لا تليق بالحكم والسياسة، بحكم نزوعها إلى الخيالات الجوفاء وعدم إدراكها للبون الشاسع ما بين الواقع والتنظيرات المراد تجسيدها، ولا أدل على ذلك من عدم نجاح بعضهم حينما دخل السياسة بهكذا أفكار، فبعض أصحاب التوجه الإسلامي تصوروا دولا بدوية وحاولوا إسقاطها على المناخ السياسي المعاصر لبلدانهم فرفضهم الواقع، لأنهم لم يحسموا بعد أمورا جوهرية، ولو على المستوى النظري: الشورى الحرية، وآليات تجسيدهما على سبيل المثال، واقرأ إن شئت كتاب ''إعداد الفوارس في هجر المدارس'' لعصام البرقاوي، الملقب بأبي حمزة المقدسي، لتعرف كيف ينظر هؤلاء لا أقول لمؤسسات الدولة المعاصرة ولكن كيف ينظرون إلى المدارس والجامعات المدنية بل الشرعية أحيانا، ما يوحي بوجود هذه الفئة خارج نطاق الزمن المعاصر وإن تصورت عكس ذلك·
والكلام نفسه يقال عمن لايزالون يتشبثون بالماركسية وفكرة وجود الدولة الشيوعية فرغم أن المعسكر الشرقي تصدع وأصبح في خبر كان، إلا أننا نلحظ ذلك التشبث بالفكرة الشيوعية، وكأنها وحي من عند الله! فوجود الأحزاب الشيوعية إلى هذا العصر، هو دليل على عدم مقدرة هذه الفئة المدعية للثقافة على التأقلم مع الواقع·
وقد تعمدنا استخدام عبارة ''المدعية للثقافة'' حتى نلج غمار عنصر ثالث، يشكل أحد أهم عوامل ضعف الأداء السياسي لبعض المثقفين، ذلك أن التحليل اللغوي لمدلول كلمة ثقافة، يقودنا إلى ربطها بالآداب والأخلاق والحذق، ثقف الغلام، إن حذق، فالمثقف سلوكه ينبغي أن يكون متميزا، فهو قدوة بكل ما تحمله الكلمة من معان، لكن الواقع يكشف عن حالتين اثنتين، الأولى تتعلق بمثقفين لا يحملون من الكلمة إلا اسمها، فممارساتهم استبدادية تنبئ عن أحقاد وأطماع يخفونها وراء كلام معسول، فمثلا الأستاذ الجامعي الذي يتحرش بالطالبات، مستغلا تحكمه في علاماتهم، لا يرجى منه خير، ومع ذلك وجدنا بعضهم يتحدث عن الساسة بنقد لاذع، قد يجعل المستمع يعتقد أن المتحدث أشبه برسول الله موسى والحكام هم أشبه بفرعون وصحبه! وكذلك الدكتور، صاحب الشهادة العليا، الذي لا يقيّم طلبته بشكل نزيه، ويبخس حق هذا، ويستفز ذلك، بل وبعضهم لا همّ له، إلا كيف أحطم الطالب الفلاني حتى لا تقوم له قائمة، إن هذا الشخص لا يستحق أن يدخل مجال السياسة لأن ضرره، أكثر من نفعه، ولازلت أتذكر أنه لما استشهد الدكتور الرنتيسي، أسر إليّ أحد الأصدقاء ـ وكنا في الجامعة ـ ''دكاترة يموتون في سبيل الله، ودكاترة لا همّ لهم إلا كيفية تركيع طلبتهم وذبح مستقبلهم''· ولعمري أن الأمر ليس فيه مبالغة، فبعض المثقفين أمراضهم فتاكة، وعقدهم هتاكة، ومع ذلك يطمحون إلى اعتلاء المناصب السياسية، أفمن يبخس طالبا حقه يرجى منه أن ينصف شعبا بأكمله؟! كلا قد يكون بعض الأميين أحسن من هؤلاء، لا لشيء إلا لأن قلوبهم حية فيها إنسانية·
إن المثقف إذا أراد أن ينجح سياسيا، عليه أن يتخلق بالأخلاق، ويبتعد عن النفاق، لأن نظرة الناس إليه تختلف عن نظرتهم إلى غيره، فهو بكل وضوح ''مثقف''!!، وهذا أمر عند الناس عظيم·
وهو يحيلنا إلى الحديث عن فئة من المثقفين، ترجو دخول معترك السياسة، لكنها تقدم رجلا وتؤخر أخرى، لأنها تعيش صراعا مريرا على مستوى الأنا، أو ما يسميه محمد عابد الجابري ''التوتر في الشخصية''، فهو بين سلطتين مختلفتين: سلطة ثقافته التي تحثه على النزاهة والالتزام، وسلطة المطلب الاجتماعي والطموح النفسي لتحقيق الأحلام، وإن كان ذلك بعيدا عن مجال الكتب والأفلام؟ وهذا النوع إما أن يذوب أهله وسط الحقل السياسي بخيره وشره، فينغمسون في السياسة، ويشربون من كأسها حتى الثمالة، فيتجلى ذلك في أعمالهم الثقافية بعد ذلك، إذ سمتها الغالبة هي: التقرب للحاكم وتزييف الواقع، وتطويع العقل!
فعلى سبيل المثال، الشاعر العربي الذي استخدم كل ما أوتي من فنون البلاغة، لرسم صورة مزيفة لحاكم ما، في العصر العباسي قائلا عنه:
أتته الخلافة منقادة: تجر إليه أذيالها
فلم تك تصلح إلا له: ولم يك يصلح إلا لها·
إن هذا الشاعر يضحك على الناس، ويستخف بعقولهم، إذا غدا أمر تولي الحكم عنده شيئا قدريا، لا يحق لعباد الله أن يتدخلوا فيه، فالرجل المناسب في المكان المناسب، هكذا هو حال الدنيا فلم يتعب الناس عقولهم، ويميلون لهذا الحاكم أو ذاك، إن الأمور محسومة، فلا داعي للكلام أصلا· وشبيه بهذا موقف بعض المحسوبين على العلم والثقافة في الجزائر إبان الاستدمار الفرنسي، فقد أكدوا أن دخولنا تحت العباءة الفرنسية أمر قدره المولى تبارك وتعالى تقديرا، فلا نقاش ولا جدال! وإذا كان كمال عبد اللطيف وعبر قراءة نقدية له لكتاب ''أقوم المسالك في أحوال الممالك'' لخير الدين التونسي قد وصف الكاتب بالخيانة، وهو حكم فيه مبالغة وتعسف كبيرين، أقول بالتقليل من أهمية عقول الناس، واستصغارها يخون الثقافة والفكر، ويرمي بهما في زبالة التاريخ·
والأمر المحيّر حقا أن نجد لبعض المثقفين مواقف لا يبررها أي واقع ولا أي منطق بل هي مواقف مجانية، تنبئ عن رعونة في السلوك، وفقر مدقع في الصفاء الروحي والعقلي، فالتطبيل والتزمير هكذا للحكام، ودون مبرر أمر يخرج فاعله من دائرة المثقفين، ويضعه في دائرة المنافقين والمرتزقة·
والعجب كل العجب، من قراءتهم للتاريخ الإسلامي، إذ يجلبون عليه بخيلهم ورجلهم باحثين عن نقاط الضعف، وخصوصا في المجال الذي نحن بصدده، وقد توجد فعلا ولكن إلا يمكن أن نعثر أيضا على إيجابيات قد تجعلنا على قناعة تامة بأن المثقف في أيام الخلفاء والملوك، كان يقوم بدور أحسن بكثير مما يقوم به مثقفو اليوم·· فأتفهم مثلا، أن يصل الباحث المتألق نيقولا زيادة في أحد مقالاته إلى تقرير أن الماوردي ( 653 هـ 054 هـ) حاول شرعنة الوضع القائم في عهده، فتحدث عن إمارة الاستكفاء وإمارة الاستيلاء، هذه الأخيرة التي تعني أن الإنسان إذا سيطر بطريقة ما على بلد معين، فإن الحاكم ملزم بأن يضفي عليه الشرعية وذلك تفاديا للفتنة، ولكنني تفهمت أيضا الفهم العميق الذي أبداه المؤرخ لهذه الظاهرة·· فالماوردي نظر بميزان المصالح، فمصلحة إقرار هذا المتمرد على فعله أرجح من إثارة الفتنة والحرب الأهلية، مادامت الأمور لا تخرج عن نطاق الشرع، وفعلا معظم هؤلاء الحكام طبقوا الأحكام الشرعية ولو بنسبة 08%· فالماوردي وبالمحصلة نجح في الإبقاء على تدثر مختلف الهيئات والمنظمات بعباءة الشرع، فجعله يستوعب معطيات العصر·
فهل نجد فئة كبيرة من مثقفينا فعلت ذلك، بالتأكد العكس هو الحاصل، وحتى لا نتعسف في حق المثقفين نشير أيضا إلى أن السياسة صعب أن تضبط موازينها، وخصوصا على المستوى الواقعي، فالمثقف الغربي ما تمكن من تجسيد أفكاره الإنسانية حينما وصل إلى سدة الحكم، ما يجعلنا نعتقد أحيانا أن بعضهم يتلاعب بالإنسانيات فقط! ولن اتخذ الرئيس التشيكي الأسبق ''فاكلاف هافال'' نموذجا، وإنما أتحدث عن توني بلير، أليس هو القائل: ''أعتقد أحيانا أن السياسة المعاصرة، أصبحت مؤامرة ضد قدرة الإنسان على الفهم''· فهو يقر بقذارة الوسط السياسي لكنه يجابهنا بمشاركته في تحطيم العراق مثلا، ومساندته المطلقة لإسرائيل، وانبطاحيته المعلنة لبوش وزبانيته، فماذا قدم بلير المثقف المحامي للإنسانية، وهل استثمر رصيده الثقافي لحلحلة المشكلات التي تواجه تشكيل مجتمع دولي عادل؟ لقد غلبته قذارة السياسة· وبالتالي فهو لا يستحق وصف المثقف· إن عدنا إلى المفهوم الذي حددناه في البداية·
ففي الثقافة الغربية هنالك نوع من النفاق الذي يراد له أن يكون طبيعيا ليسهل على السياسي مهمة انتهاك حقوق الآخرين (غير الغربيين طبعا)·
يقول الدكتور يوسف حسين ملخصا زبدة فكر مالك بن نبي في المسألة: ''مادامت فلسفة الإنسان والإنسانيات الغربية لم تغرس في ضمير الإنسان الغربي الشعور بقيمته وقيمة الآخرين، فإنه سيبقى دائما معرضا للوقوع في وحل العبودية والاستعباد، إذ لا وازع ولا رادع يردعه عن استعباد غيره''·
وعليه فإن محاولة تفكيك خطابات بعض الساسة الغربيين، ممن يحسبون ضمن فئة الأنتلجانسيا، تقتضي استحضار الفكرة التي لخصها يوسف حسين، فالذين تخلصوا منها فئة قليلة، ما يجعل فكرة مالك بن نبي قابلة لما يشبه التعميم بنسبة متقدمة جدا، فالمثقف الغربي، استقرت فكرة التمييز في وحدته المركزية، ولعل أعمال هنتغتون وفوكوياما وبرنارد لويس خير دليل على ذلك، فالسياسة في الحقيقة سفينة من الصعوبة بمكان الركوب عليها دون اضطرابات واختلالات، سواء تعلق الأمر بالمثقف الغربي أو المثقف المسلم· ففي الجزائر مثلا نرصد عدم فعالية لدى المثقفين الساسة، وإن وجدت فهي قليلة، حتى إبان الثورة التحريرية المباركة حجّم دور المثقف على المستوى السياسي وإن كنا نعترف بالعمل المهم الذي قام به بعضهم لرفع الروح الوطنية، ويكفي أن نذكر اسم مفدي زكريا مثلا، لكن أين الآخرون؟ إن حضورهم في المشهد الثقافي بقي مربوطا بخيط رقيق مع المناخ السياسي، وتجلى ذلك بعد الاستقلال، إذ تغلبت الحسابات السياسية وقصمت ظهر الثقافة بطريقة أو بأخرى، فاعتزل السياسة جمع غير قليل من المثقفين· وأضع هنا علامة استفهام كبرى: ما الذي كان سيحدث لو أخذت البلاد بفكر مالك بن نبي كاستراتيجية ورؤية مستقبلية بإمكانها رفع مستوى الأمة؟ خصوصا وأن هذه الفكرة كما ثبت فيما بعد، تتماشى مع المكونات الجوهرية الذهنية والاجتماعية للشعب الجزائري، إن ذلك لم يحدث وجاء عهد التفتح السياسي، فأقام الكثير من مثقفينا أحزابا، ومع الأسف الشديد خسر كثير منهم مواقعهم كمثقفين لهم رأي مسموع بسبب دخولهم منطق الحسابات السياسية·
إننا بحاجة إلى مثقفين يعون معنى السياسة جيدا، وبحاجة إلى ساسة يقرون بأهمية الثقافة ودورها في تكوين إنسانية الإنسان، بل ودورها في أنسنة السياسة· وتأمل معي صنيع الشاعر والحاكم الفذ سيف الدولة الحمداني، لقد أبدع نظاما للفدائيين فقصم ظهر الأعداء لكنه ألغاه بعد ذلك لا لشيء، إلا لأنه مشوب بنوع من الغدر· فإنسانيته واحتكامه إلى الشرع جعلاه يتخذ هذا القرار·
إننا بحاجة إلى مثقفين كسيف الدولة وغيره من العظماء، والى حين توفر هذه النماذج نبقى نصف بالمثالية قول أفلاطون: ''لا يستطيع الإنسان أن يعيش سعيدا إلا إذا وصل أصحاب السلطة إلى المعرفة أو وصل أصحاب المعرفة إلى السلطة''·· فليعمل المثقف على تغيير نفسه بكل ما أوتي من قوة ''إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم''·· هذا رأي أبديته ولم أكن أول من ابتداه·

أحمد حساني بن معتصم: أدرار

عدد القراءات :618

اضف تقييمك

التقييم: 6.65/10 (253 صوت)



من الأرشيـــف

ضيف النقــاش : عمّي لخضر بورقعة

مهري:الدبلوماسية الجزائرية تسير ''على باب الله''

حكاية اسمها : غــزّة

الملاحـــق






Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2009 www.elkhabar-hebdo.com - All rights reserved


الكاريكاتير | المقالات | الأخبار | خدمات | الرئيسية