نصف قرن من العطاء :رحيــل المسرحـي العراقـي قـاسـم محـمد
آخر مرة التقينا به كان في المسرح الوطني، تحديدا في خشبة بشطارزي، يقف على عكازه وهو المنهك في توجيه سبعين ممثلا لترجمة عرض أبي حيان التوحيدي، كان يختفي وراء نظارته الكبيرة، لم يكن قلقا كما عهدنا رجال الفن، كان هادئا يتابع إلى جانب زوجته خطوات هؤلاء الشباب بروية قطعنا عليه التمرين بجرأة حتى لا نقول بوقاحة، لأن ذلك بالنسبة له كان طقسا، كان علينا أن نفعل ذلك مرغمين، لأن أشخاصا مثل العراقي قاسم محمد لا يتكررون على الخشبة·
وسيلة بن بشي
لما سمعنا برحيله كأن شيئا وقع مخلفا وراءه صمتا رهيبا يشابه تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الأنوار، ليظهر في الجانب المقابل ضوء خافت يعلن بداية العرض، كان عرض قاسم محمد وحده وهو في قاعة المسرح الوطني وهو يحدثنا عن الأخلاط الكيميائية للمسرح بكل تجلياته في العرض، كان متحدثا بارعا، شخص خلفته تلك الكتب التراثية العريقة التي تلامس سقف الروح وهي تنشر نور الفكرة مجردة عارية من ذلك الزيف القاتل· السؤال الذي كان يطرح نفسه في تلك اللحظة التي سافر فيها الراحل قاسم محمد في أسفار أبي حيان، كان بعض الشيء أقل بكثير من هذا السمو المسرحي، يبدو تقريريا جافا لكنه أجاب بحكمة· وكان ذلك السؤال: ''كيف سيتم ترويض سبعين ممثلا فوق خشبة بشطارزي؟''· صمت قبل أن يجيب وهذا الصمت كان في الواقع من أجل النزول من لحظة العشق الصوفية التي دخل إليها إلى عالم هذا الفيلسوف وسماع هذا الصوت البدائي الذي يريد أن يفهم معنى مسرحه قال: ''الأمور نسبية، ليس هناك مطلق، أحيانا ممثل واحد أصعب من مائة ممثل· الخبرة المركبة يعني خبرة الحياة وخبرة الفن، وهناك خبرة ثالثة في التركيب وهي خبرة الحلم·· الحلم فيه خبرة تأتي إلى الحياة وتأتي إلى الفن وتمتزج تماما كامتزاج عناصر الكيمياء· كيمياء الشعور الإنساني، كيمياء الخشبة، كيمياء الفضاء، كيمياء الفكرة التي نحن نشتغل عليها· السؤال ماذا نريد في هذه المادة الدرامية والتي هي عنصر كيميائي أيضا مركب من دم وبشر وفكر ومشاعر، وهي كيمياء الحياة والفن، كيمياء الحلم كل هذه تتركب وتشتغل على عدة مناطق منها عدد السبعين·· أنا مشتغل سابقا منذ حوالي أربع سنوات مع 225 ممثل على الخشبة في عمل اسمه: ''الواقع صورة طبق الأصل'' من تأليف الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، وكاتب ومؤرخ وأديب وأستاذ جامعي آخر، شيء يقال عنه الحاكم ولا يرضى بهذا اللقب يقول: ''أنا المثقف هنا'' أنا أشتغل في الشارقة وأشتغل وهو يكتب المسرح، وكان هذا العمل بـ225 ممثل اشتغلنا معهم''·· لقد تجاوز الرجل العدد ليتحدث عن شيء أهم عن ''تحديد رسم خارطة العقل بدقة''، فهو يقول: ''·· عندك خرائط عقلية· عقلك والعقل المقابل· وعقلك ينبغي أن يكون هو المسير والمسيطر· فهي رسم خرائط عقل وإعادة خرائط العقل أشتغل مع ثلاثة أو مع ثلاثين أو ثلاث مائة هنا يكمن تركيب العمل''·
كان قاسم محمد يفلسف المسرح وكنا صغارا جدا لفهم تلك الخريطة الفلسفية التي رسمها أمامنا ولكي نخرج من جنون الفكرة التي تحاصرنا ويرفض عقلنا ترويضها قلنا ببساطة: ''نفهم أن التركيز هنا على الممثل في حين يسعى البعض للتقليص من دوره والتركيز على العناصر غير المنطوقة في العرض؟''·
لقد وقع سؤالنا هذه المرة موقعا حسنا عندما أجاب فورا: '' يمكن إذا كان فيه كاريزما معينة· قد يحدث ممثل واحد ضجة كبيرة في حين لا يحدثها ثلاثمائة· السؤال: ما هي خرائط العقل، وكيف يتم رسمها على الخشبة المسرح·· كيف يتحول المجرد، الذي هو الكلمة، إلى مجسد ناطق متفجر· نحن نشتغل على منطقة نسميها ''التفجيري التوليدي''· نفجر حتى تتولد·· أفكار تتصارع تتفجر، تتولد· أفكار، ألوان، أصوات، أشكال، مشاعر، إيماءات، وإشارات· كل هذا شغل واشتغال بحث· الشغل هو التنفيذ، الاشتغال هو البحث حتى تتحول إلى مجسد والسردي المنطوق يتحول إلى صوري وبصري· لأن المسرح فن بصري· ''حاولنا أن نكون مستفزين وقد تعلقت أنظارنا إلى سمائه التي يبحر فيه وهو الواثق الجالس على كرسيه كحكيم الغابة الذي خلف فوضى المدينة وراءه بعدما هضمها وفهم ابتذالها''· سألناه: ''مؤخرا شاهدنا في المسرح الوطني عرضا قطريا عن أبي حيان التوحيدي هو تشكل لفظي لا يقدم لنا صورة واضحة عن مأساة هذا العالم الفيلسوف· سؤالنا ما الفرق بين العرض القطري وهذا العرض الذي تقدمونه عن صاحب الإمتاع والمؤانسة؟''· يجيب على الفور في جملة قصيرة: ''الفرق هي زاوية النظر لأبي حيان''· واكتفى· لكننا كنا لحوحين وقد أتعبتنا رؤوسنا المرفوعة إلى السماء فقلنا كيف؟ لم يتردد وأجاب: ''التركيز عندي هو المثقف وسلطة الاحتلال، لأن العراق كان محتلا في زمن أبي حيان من طرف البويهيين هذا المثقف هو أعلى مستوى ثقافي في التاريخ وصلنا حتى الآن ويسمى ''متكلم المحققين ومحقق المتكلمين'' ويسمى ''أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء''، هو قمة من قمم اللغة والفكر والصراع والمنجز، وهو بالتالي شخصية إشكالية يعني: من أين تأتي هل هو عاقل، هل هو نصف مجنون، هل هو سوي، شجاع، جبان· هو مركب تركيبا غير بسيط لذلك تناول جوانب من حياته كبيرة الذي يهمني فيه هو القول: ''أن أغرب الغرباء من كان غريبا في وطنه وأن أبعد البعداء من كان بعيدا في محل قربه''· إشكالية الغربة الداخلية: أنا في بيتي ولكني غريب لأنني لا أشترك مع العالم المحيط· منفى داخلي ومنفى خارجي كون البلد محتل من أجنبي· كثير الكلام أنا أتناول مسألة الغربة في المكان، صراع المثقف مع السلطة والسلطة هنا محتلة وهي إشكالية كبيرة وهي حاصلة الآن في وطننا العربي··· وعمليات تدجين المثقف···
نعم تدجين المثقف وإلغاؤه وإلغاء تراثه وفكره وهويته وانتمائه وهي مسميات عديدة للعولمة والدولية والأممية وهي إشكاليات مطروحة في كل زمان ومكان· هذا هو الرائع· في العرض نشاهد أيام الأمس واليوم ونبوءة الغد· ماذا علينا أن نفعل؟ أحيانا بشكل مباشر· هناك إشكاليات مباشرة· الاحتلال شيء مباشر في حياتي لماذا أشتغل على الرمزية وهو موجود دائما يضطهدني ما السبب هو مباشر''· ربما أتعبناه وهو يفجر إجابته لأنه كان مرغما لأن يتعامل مع صغار مثلنا· تنفس الصعداء وصمت· لم نتوقف عن هذا الحد وأردنا أن نضرب السؤال والمجيب في لحظة انفجار للكلم قلنا بسرعة''·
الملاحظ أن هناك اشتغالا كبيرا على الفكرة وعلى البصريات· لماذا كل تلك العصي في العرض؟ عاد ليقول بحكمة وبنفس الحماس: ''أنا أبحث في الذاكرة المحلية والقومية للإنسان وأعتقد بخصوصياتها وهذه كامنة في الروح في الدماغ والعقل عندنا في ذاكرتنا والقرآن الكريم وهو جزء كبير من ذاكرتنا وثقافتنا مثله مثل الحديث النبوي نجد الآية الكريمة التي تقول: ''هي عصايا أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى''، كم هي هذه المآرب عشرة آلاف، واحد، أو مليون· حسب اكتشافاتك أنت·· تذهبين للمثل الشعبي تجدين أن العصا لها دور في تكوين الذات وعلاقتها مع هذا المعطى ''العصا''· العصا آتية من الشجرة، والشجرة آتية من الحياة· لو نذهب إلى الحديث النبوي نجد نفس الشيء كذلك الممارسة الشعبية هي ساكنة في تراثنا العربي والهدف هو إعطاء سمة لمسرحنا ليس رفضا للمسرح الآخر، هو معلم كبير، الإنجليزي، الأمريكي، الروسي، لكن أين نحن من هؤلاء، ماذا يمكنك أن تعطي، كيف وأين وما هي الكيفية ومتى·· كثيرة هي الأسئلة ولذلك العصا قرين للإنسان منذ أن وجد· العصا كانت رفيقا جيدا وسلاحا، وهي الرجل الثالثة والعين وسيلة الدفاع والتقاء·· في الحقيقة أنا أستخدمها هنا بجزء بسيط هو امتداد لاشتغال سابق لرسالة من رسائل ابن سينا، وهي رسالة الطير المكتوبة قبل حوالي ألف عام، اشتغلت على هذه الرسالة وهي رسالة فلسفية عميقة جدا، السينوغرافيا هي العصا، وكان شغلا رائعا جدا واكتشفنا عام3991 أن السينوغرافيا يمكن أن تكون خاصة بنا ومستنبطة من ذاكرتنا، وعرضناها في قرطاج وأثارت اهتماما كبيرا وخصت بجائزة مميزة هي جائزة السينوغرافيا، كانت فيها فقط العصا على الخشبة لا غير ولعبت أدوارا عديدة وجيدة''·
قال ذلك وهو يتحسس عصاه، وصمت وكأنه يقول أن الكلام ينتهي عند هذا الحد، وعليه أن يعود إلى عرضه·· لقد قدم عرضه ذلك في السابع والعشرين أوت من عام 2007 وكان ملحمة بصرية حقيقية·
اختفى الصوت وضاعت صورة قاسم محمد وهو صامت عندما فتحنا أعيننا مرة أخرى لنهضم خبر رحيله هذا الأسبوع عن عمر ناهز 57 سنة، بعد صراع مع مرض عضال لأكثر من سنة، في إمارة الشارقة في دولة الإمارات···