لم يتم الفصل فيها لحد الآن: ملفات عالقة ومعلقة في انتظار الدخول الاجتماعي
كثيرة هي الملفات العالقة التي لم تفصل فيها الحكومة، رغم أهميتها وتأثيرها المباشر على حياة المواطن البسيط وعلى الحياة السياسية وجميع النواحي، والقائمة طويلة جدا ومفتوحة، وكل ملف فيها على درجة من الأهمية وطغى عليه عامل التقادم، ومن هذه الملفات تطرقنا في هذا العدد إلى ''الحرافة''، قفة رمضان، العفو الشامل، زيارة الرئيس إلى فرنسا، حزب السعيد بوتفليقة، وقضية رهبان تيبحيرين.. هي ملفات حارة حرارة هذا الصيف، لكنها ربما ستبرد برد الشتاء المثلج ما لم يفصل فيها قبيل الدخول الاجتماعي أو خلاله.
غبارُ صيفٍ وقفةُ رمضان و.. حلابّة..
من ''الحيطيست'' إلى ''الحرّافة'' إلى ''الحلاّبة''، يكون الشارع الجزائري قد أوجد لكل مأساة إسمها الملائم، إسم ينطوي على الاحتجاج، بقدر ما يحمل من مضامين التمرّد والثورة. وهي أسماء تشترك في مدلول واحد: فشل النظام السايسي القائم في البلاد منذ الاستقلال في تحقيق أدنى طموحات الشعب الجزائري.
بين هذا الاسم وذاك، لا تستحي الدولة في فرض رسوم جديدة على اللحوم المجمّدة المستوردة، ولا تستحي السلطات من الإعلان أن ذاك كان بهدف حماية المستهلكين. الظاهر أن ''مزاليط'' العهدة الثالثة مرشحون ليزدادوا ''زلطا'' على ''زلط''، وأنَّ ما أصبح يشبه طبقة وسطى تسعى لرفع مستواها الاجتماعي بعض الشيء بالحصول على بعض وسائل الرفاهية عن طريق الاستدانة من البنوك، هذه الفئة لم تستح الدولة أيضا في الضرب بتطلعاتها المتواضعة عرض الحائط، بعد تدخلها الفض والفج في سياسة البنوك الخاصة بفعل قانون تكميلي للمالية صدر بأمر رئاسي، قانون لم ينصّ الدستور على تفعيله إلا في حالة ظروف طارئة تستلزم نفقات غير متوقعة فيما بين دورتي المجلس التشريعي لا غير. شدّ ما يذكرني هذا بتصريح شهير لوزير من ''العهد البائد'' قاله في التلفزيون دون حياء: ''لسنا في حاجة للثلاجة.. كانت أمهاتنا يبردن الماء في الجرار ويستعملن القديد!''.
الدولة لم تعد في حاجة لهذه الفئة ولا لمستهلكي اللحوم المجمدة. لا توجد ''عهدة'' رابعة في الأفق، وإن وجدت في حالة ما إذا غضّت قوانين البيولوجيا الرعناء الطرفَ، فهي سوف تكون مُكرّرا لـ''العهدة'' السابقة. الرئيس فاز بـ''عهدته'' الثالثة بأكثر من 90% من أصوات الناخبين، وغالبيتهم من الحالمين بـ''ماروتي'' متواضعة ومن أكلة اللحوم المجمّدة. ويمكن له أن يصدر ما شاء من تشريعات بأوامر رئاسية أمام برلمان فاسد. لقد جذب البساط من تحت أقدام الناخبين بكل بساطة عندما تعلق الأمر بحماية خزينة الدولة وتوفير مداخيل ''التيو'' من أجل الحفاظ فقط على رفاهية الدولة ورجالها وأزلامهم وأزلام أزلامهم إلى الدرجة المئة. والغريب أن تلك الترتيبات جاءت لمعالجة آثار الأزمة المالية العالمية، في وقت أخذت الإشارات تتوالى عن قرب تعافي النظام المالي والاقتصادي وعودة النمو.
إثراء بدون سبب
ربما يجدر التذكير هنا أن كبار المسؤولين في دولتنا العتيدة كانوا يسرفون في طمأنتنا قبيل ''الرئاسيات'' الأخيرة أن البلاد في مأمن من الأزمة لمدة خمس سنوات على الأقل، وبما أنه كان يقال إن تلك الأزمة لن تستمر طويلا، فقد كان يقال ضمنا أنها لن تمسنا على الإطلاق. واليوم، وقد أخذت تطرق بابنا، ومن الأصح القول إن رجال دولتنا أرادوها أن تصل إلينا، فإن الضحية الأولى كانت الحالمين بـ''الماروتي'' وآكلي اللحوم المجمدة. الدولة الحصيفة أرادت أيضا أن تضمن أسبابا للإثراء بدون جهد للمتنفذين لديها عن طريق إجبار الشركات الأجنبية على إشراك ''مواطنين'' في حدود 30%، وقالت الدولة إن القانون سيطبق بأثر رجعي خلافا لروح القوانين. وبالطبع، فإن المراد من ذلك كان بكل بساطة إتاحة فرصة الاختيار للمرشحين السعداء لتلك الصفقات، من حيث أن تطبيق القانون بأثر رجعي سيتيح لهم التعرّف على الشركات الناجحة الرابحة، والدخول بالتالي في صفقات مضمونة. ولا نشكّ لحظة في أن تراجع الدولة لم يكن تصويبا لموقفها لكي يتماشى مع روح القوانين التي ترفض التطبيق بأثر رجعي. نشكّ أن الإيعاز بالتخلي عن هذا الموقف إنما جاء من خارج البلاد. لم يكن هناك تهديد باللجوء إلى تحكيم دولي تخرج منه دولتنا مبهدلة محتَقرَة، ولم يكن هناك تهديد بانسحاب الشركات الأجنبية. كان هناك إيعاز بالتخلي عن ذلك المطلب. وتم الأمر كما أراد له أصحاب الإيعاز أن يتمّ.
ويبلغ النفاق مداه عندما يتعلق الأمر بـ''قفة رمضان''، قفة البهدلة والحفرة. عندما يقف وزير في دولة صاحب الفخامة ليعلن عن عدد العائلات من ذوات ''الحق'' في قفة البهدلة والحفرة، ويعطي الرقم في كثير من المنّ والتبجح بعد قرابة خمسين سنة من استقلال البلاد، فإن كل ما كان يقال وكل ما يقال حاليا وما سيقال عن عناية الدولة بتوفير الكرامة لرعاياها، هو كذب ونفاق ودجل وخداع. لذا، فإن أي خطاب، ولو كان من أعلى مصدر، مثل رسالة ''العزيز'' الأخيرة بمناسبة ''يوم المجاهد'' التي قرأها نيابة عنه ممثله الشخصي عبد العزيز بلخادم، لن يصبّ سوى في هذا الاتجاه. ولمجرد أن يُعهدَ إلى عبد العزيز بلخادم بقراءة تلك الرسالة أمام المحتفلين، فإن ذلك ينزع عن كلام رئيس الدولة كل مصداقية ويجعل منها مجرد تصرّف روتيني من طرف رئيس منعته ظروفه من إلقائها بنفسه. وفي الواقع، فقد أحسن صنعا! من الذي سيسمع من بين المواطنين العاديين إلى خطاب عن مصالحة وطنية لا أول لها ولا آخر، وعن إرهاب لا يخفت قليلا إلاّ لكي يضرب من جديد أو عن تنمية لصالح المواطنين لم يلمسوها أبدا، أو عن ''حرافة'' دون ذكرهم بالاسم يقعون ضحايا المهربين.. من سيستمع لكلام عن ''واجب الدولة في حماية الاقتصاد وتجنيب البلاد مخاطر الإفلاس''، بينما الإفلاس معشش في كل خانة وزاوية ومربع من تسيير أركائيكي يقوم على التبذير وعدم التقدير خلال فترات الوفرة المالية وعلى الشح والتقتير خلال الأزمات، علما أن الشح والتقتير هنا لا ينالان سوى جماعة ''المكتب الثاني'' العتيد الذين لا يملكون وسيلة يدافعون بها عن مصالحهم خلافا لأرباب العمل المتضررين من نفس الإجراءات. فهؤلاء يملكون من العلاقات الظاهرة والخفية مع مراكز القوى ما يمكنهم من تعطيلها.
سوق البقّ
الرئيس لم يخاطب ''ناخبيه'' منذ فوزه ذلك الفوز الرائع بـ''عهدة'' ثالثة. لم يقدّم برنامجا ولا خطة، مع أن الوزير الأول بحكم التعديلات الأخيرة على الدستور عرض ورقة طريق أمام المجلس الشعبي لتطبيق برنامج الرئيس. برنامج قال بعظمة فيه إن رئيس الدولة سيعلن عنه في القريب. كان الرئيس قدّم بكل سخاء وعودا كثيرة خلال ''الحملة'' الإنتخابية. ولأدنى توجّس من نضوب مداخيل ''التيو''، عمد إلى التضحية بمصالح الفئتين الضعيفتين، الحالمون بـ''الماروتي'' وآكلو اللحوم المستوردة. هذا هو برنامج الرئيس لـ''العهدة'' الثالثة.
ربما كان الرئيس على صواب في نقطة واحدة! لا جدوى من التغيير الحكومي. ليس بمنطق تثبيت الفريق الفائز، ولكن من منطق أن رجال السياسة عندنا، الرجال الذين خلقهم النظام، لا يتمايزون في الكفاءة وفي الشجاعة الأدبية. وربما وجد الرئيس نفسه محاصرا بطبقة سياسية مترهلة، فقدت روح المبادرة والمثابرة منذ زمن بعيد، وربما كان هو نفسه يشجع الولاء والإخلاص لشخصه على معايير أخرى. ومهما يكن من أمر، فلمجرّد أنه أعاد تثبيت نفس الطاقم الحكومي، فقد جعل ذلك البلاد تزداد إحباطا على إحباط، ولا نفهم المغزى من ''عهدة'' ثالثة إلا من زاوية رغبة الرئيس الشخصية في التمسك بالسلطة إلى آخر رمق فيه، على حساب مستقبل البلاد، وعلى حساب سمعته الشخصية هو بالذات. ماذا يضيف رئيس جديد من نمط بن علي والقذافي وحسني مبارك لشخصية الجزائر ولسمعتها؟ ماذا يضيف هو شخصيا لنفسه في التاريخ؟
كانت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، تعيّر طارق عزيز، أحد مساعدي صدام حسين البارزين، بأن ثمن السيجار الذي يدخنه يكفي لضمان وجبة لعدة أسر عراقية زمن الحصار. وفي الوقت الذي كان ملايين العراقيين يبيعون حوائجهم وتذكاراتهم وملابسهم في سوق البقّ، حسب التعبير الفرنسي، كان نظام صدام حسين سادرا في غيّه، وكان أقطابه يتقاسمون ملايين الدولارات الناجمة عن ''حلب'' البترول العراقي، أي بيعه في السوق السوداء على طريقة ''الحلابة'' الجزائريين في تهريب البنزين المستورد بالعملة الصعبة إلى ما وراء الحدود. فما عسانا نقول نحن عن مسؤولينا الميامين وعن رجال دولتنا الخلصاء؟ لم يكن رجال صدام حسين يشعرون أنهم يعيشون نهاية عهد، تماما كما لا يشعر رجال النظام عندنا بطريقة استهلاكهم الاستفزازية وبسياستهم في فرض التقشف على المزاليط وجماعة المكتب الثاني أنهم يعيشون نهاية عهد. وككل نهايةِ عهدٍ غير مُبرمجة ولا تخضع لميكانيزمات محددة سلفا، آخرها طار مع تعديل الدستور، فإن الباب مفتوح على كل الاحتمالات. تستطيع الدولة أن تقدّم ما شاءت من تنازلات للتيار الإسلامي من قبيل عطلة يوم الجمعة، وهي تعلم حق العلم أن تلك العطلة اتفاق وليست من الشريعة في شيء، ولكنّ ذلك لن يمنع هؤلاء حين تحين اللحظة المناسبة من تعبئة ''الحيطيست'' و''الحرافة'' وحتى ''الحلاّبة'' من أجل الاستيلاء على القلعة المتهاوية. التيار الوطني فشل في إحداث نقلة نوعية للبلاد نحو حكم ديمقراطي، وها هو يستعدّ لإخلاء الساحة للإسلاميين.
ع. العلمي
مشاريع العهدة الثالثة والرهبان السبعة!
كما لا يخلو أي حدث سياسي من سياق، فإن نبش قبور رهبان تيبحيرين بعد كلّ هذه السنين، لا بدّ وأن يكون له سياقه. وبما أن ''القضية'' أعيد إخراجها وهي تهمّ الجزائر بصفة مباشرة، بالرغم من الصمت الرسمي هنا على الضفة الجنوبية من المتوسط، فإن السياق لا بدّ وأن يكون جزائريا. هذا يؤكّد مرّة أخرى أن ''أمنا العكري'' لا تريد أن تهجرنا هجرا تامّا وتتركنا لشأننا ولمشاكل التخلف المتراكم التي نتخبط فيها، أم ترانا نحن هم من لا يريد الاستقلال عنها!
هناك من قد يرى في المسألة صراعا فرنسيا ـ فرنسيا، أقحمت فيه المستعمَرة السابقة إقحاما. صراعٌ من قبيل ما يجري بين قضاة يتنافسون على الشهرة والمجد، أو في أسوإ الحالات صراع بين الأجهزة الاستخباراتية. دوائرٌ فيها فجّرت فضيحة عملية كراتشي الإرهابية، فردّت الأخرى بنبش قبور الرهبان السبعة! لكن ما أصاب الجزائر من رذاذ هذه العطسة، قد يخفي الكثير!
''الكابوكي''
الجزائر الرسمية فضّلت الصمت التام. ولولا إشارات وردت على لسان بعض المتنفذين، لكان الصمت الرسمي كاملا مئة بالمئة. ربما سيصبح من مميزات ''عهدة'' العزيز الثالثة ذلك الإنضباط الصارم وسط الرسميين الجزائريين، بحيث لن يتسرّب أي شيء على الإطلاق مما يدور وسط المرجعيات العليا وحتى في تخومها. إنها عودة مجلس الثورة العتيد بستاره الحديدي وسقفه الرصاصي. حتى تصريحات يزيد زرهوني الأخيرة التي وصف فيها المسألة بـ''مسرح الكابوكي الياباني''، لم تشف الغليل. كان الأجدر بوزيرنا أن يصفها بمسرح ''خيال الظل''، فكل ما فيها غامض يكتنفه الظلام.
المؤسسة العسكرية نفسها، وهي المعنية الأولى بالأمر، لم تحرّك ساكنا. أهو استخفاف بتصريحات ''الزميل'' الفرنسي المتقاعد واحتقار لها، أم هو تجاهل مدروس؟ لسنا ندري إذا كانت ''التوضيحات التقنية'' التي تفضل بنشرها في جريدة محلية عقيدٌ متقاعدٌ مجهولٌ، كانتْ بوحي من المؤسسة العسكرية، أم أنها كانت مبادرة شخصية، لكنّ عدم صدور أية إشارة تعضّد هذا التفسير أم ذاك زاد من ''الغموض الفني'' لمسرحية غامضة، سواء كانت من الكابوكي أو من خيال الظل. الإشكالية قد تكون يسيطة للغاية.. المؤسسة العسكرية، مُسقطة الرؤساء وصانعتهم، أصبح يسري عليها ما يسري على المتنفذين المدنيين. لقد دخلت بيت الطاعة. وهذه أيضا قد تصبح من مميزات ''العهدة الثالثة''.. المؤسسة العسكرية لم تعد مصدر السلطة! مركز الثقل في السلطة الفعلية قد يغادر تاغارين إلى الأبد. جيّد أن يصبح للجزائر جيش محترف غير معني بممارسة السياسة، لكن المشكلة تكمن فقط في أن الجزائر لم تكن تتوفّر على الإطلاق على طبقة سياسية حقيقية متمرنة على الفعل السياسي، طبقة نابعة من الشعب وقابلة للمحاسبة عن طريق الإقتراع، وليس من ''الشرعية التاريخية'' وما توفرّه من عصمة تنافس عصمة الأنبياء.
هناك جانب قد يكون أخطر من اتهام الجيش الجزائري، فالتهمة مسألة جِدالية قد تستمرّ مدة طويلة من الزمن، ثم تنتهي إلى لا شيء أو قد تتدخل الديبلوماسية بطرقها الخفية لإنزال الستار حتى قبل أن ينتهي المشهد. الأخطر من التهمة هو تصريحات ''الزميل العسكري'' الفرنسي المتعلقة بكيفية حصوله على تلك المعلومات. إنه يقول بوضوح إن المخابرات الفرنسية تخترق الجزائر اختراقا تاما، بما أنها نجحت في ''تطويع'' الجيش الجزائري الذي هو آخر ضامن للأمن الوطني، حسب الخطاب السياسي المعتمد هنا منذ الإستقلال! إنها ضربة مباشرة لسمعته ولهيبته. هل أزف الوقت الذي لا تحتاج فيه السلطة السياسية لجيش مُهاب وذي سمعة؟ جيش ليس في مقدوره عرقلة أي مشروع سياسي عشية المناورات الكبرى المتعلقة بإدخال تعديلات جذرية على الدستور وإعادة تشكيل الحياة السياسية وإعلان عفو عام؟
بالنسبة للسياق السياسي الذي تفجرت فيه هذه القنبلة، هناك طبعا منطقة الزوابع التي تجتازها حاليا العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية منذ شروع ''العزيز'' في ''عهدته'' الثالثة. زيارة الدولة التي كان الرئيس الجزائري يستعد للقيام بها إلى باريس بدعوة رسمية من نظيره الفرنسي، وهي دعوة سبقت ''الانتخابات الرئاسية'' الأخيرة في الجزائر، هذه الزيارة أجلت إلى موعد غير معلوم. هناك أيضا توقف تام لزيارات الرسميين الفرنسيين للجزائر ولزيارات الرسميين الجزائريين لفرنسا. طبعا، كانت آخر زيارة لمسؤول جزائري سام لباريس هي زيارة رئيس المجلس الشعبي الوطني. زيارة لم يحتفظ الناس منها سوى بجملة تلفظ بها السيد زياري الذي لا يرى ''ضرورة في ربط تحسين العلاقات بين البلدين والشعبين باعتذار فرنسي عن الفترة الإستعمارية''. سيتولى ذلك ''ملك ملوك إفريقيا'' معمّر القذافي، مطالبا فرنسا بتعويض الجزائريين عن الفترة الإستعمارية، مثلما فعلت إيطاليا مع الليبيين. لا يبدو أن خرجة القذافي تلك أحرجت أي طرف. وربما لا يكون تأزم العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية سوى غطاء لتمرير مشاريع يجد الطرفان فيها مصلحة مشتركة. يعضّد هذا كلامُ زياري المشار إليه أعلاه. إنها مناورة لصرف الانتباه عن تلك المشاريع.
رحيل ''إعمار'' وجبل الجليد
هناك أيضا رحيل شركة ''إعمار'' الخليجية ووضع حد لنشاطها في الجزائر! ما دخل هذا في ذاك؟ الرئيس الجزائري معروف بعلاقاته الوطيدة مع أمراء الخليج. هناك التجأ، عندما لفضته ''الجماعة'' العسكرية الجديدة الحاكمة بعد رحيل بومدين. والمعروف أن شركة ''إعمار'' جاءت للإستثمار العقاري في بلادنا بدعوة سيّد البلاد وبتشجيع منه. عدم نجاحها في إحداث اختراق يشجعها على البقاء له مدلول واحد.. كلمة الرئيس ليست نافذة تماما، وسلطته تواجه معارضة صامتة من قوى لا تترك فرصة تمّر دون إحراجه وإظهار ''ضعفه''. ولِمَ لا تكون لهاته الدوائر التي أوصدت الأبواب في وجه ''إعمار'' علاقة بـ''جهة'' ما يدور بينها وبين الرئاسة صراع من أجل البقاء؟ الجهة المقصودة هنا هي المؤسسة العسكرية أو جناح داخلها، لا يزال يشّوش على الرئيس ويجب أن ينضمّ إلى الصفّ بكيفية من الكيفيات. ولِمَ لا تكون تصريحات ''الزميل الفرنسي'' وراء البحر إحدى تلك الكيفيات؟ التلويح بشبح المحكمة الجنائية الدولية لا يخلو من فائدة في مناورات واسعة مثل هاته!
المظهر الدرامي الذي ظهر به الرئيس الفرنسي وهو يعلن استعداده لرفع غطاء السرية عن أية وثيقة عسكرية يطلبها القضاء ولها علاقة بالملف، كان ينطوي على تهديد غير مباشر. تصريحات ساركوزي هاته يصدق عليها وصف مسرح الكابوكي، أكثر مما يصدق على جانب آخر من جوانب اللعبة. بوتفليقة كان يعيش حياته الهادئة متنقلا بين إمارات الخليج وبين أوروبا عندما حدثت واقعة الرهبان السبعة. إنه غير مسؤول بأي شكل من أشكال المسؤولية عن ذلك ''الخطإ'' الذي ارتكبه الجيش الجزائري وذهب ضحيته رهبان تبحيرين، حسب تصريحات الجنرال الفرنسي المتقاعد. الأمر لن يحرجه على الإطلاق، وحتى إذا لم يعد عليه بأية فائدة، فهو سيظل بعيدا كل البعد عنه.
ونعود إلى السياق. في الآونة الأخيرة، انفلتت من فم ''زعيم'' جبهة التحرير الوطني عبد العزيز بلخادم كلمات سيتذكرها ذات يوم بفخر كبير، كما كان تبشيره بـ''العهدة'' الثالثة لبوتفليقة ''سبقا'' سياسيا خطيرا. كلمات مفادها أن هناك داخل السرايا نوايا نحو إعادة تنظيم الحياة السياسية في البلاد. هناك أيضا لغط عن قرب حصول حزبين على اعتمادهما، بعد أن بقيا لسنوات طويلة بدون تلك الرقعة. وهناك بالطبع كلام عن حزب جديد لشقيق الرئيس، تمهيدا ربما لاستخلافه، اللهم إلاّ أن يكون هذا الكلام مناورة للتغطية على حزب إسلامي قادم سيخلف الـ''فيس'' المحلّ، أو أن يكون الاثنان محلّ صفقة متبادلة.
لقد أثبت عبد العزيز بلخادم أنه لا يتكلم عن هوى. ولمجرّد أنه صدق في موضوع تعديل الدستور والتجديد لـ''العزيز''، فليس هناك ما يرجّح أنه لن يكون صادقا هذه المرّة. وكما جاء كلامه عن تعديل الدستور مصدّقا لكلام قديم قاله ''العزيز'' في بداية ''عهدته'' الأولى بخصوص عدم رضاه عن دستور ,96 فإن كلامه هذه المرة أيضا سيكون مصدّقا لكلام قديم قاله ''العزيز'' بخصوص عدم رضاه عن التضخم في عدد الأحزاب في الساحة الجزائرية.
هل لكل هذا علاقة بتصريحات الجنرال الفرنسي وبالمظهر الدرامي الذي ظهر به الرئيس الفرنسي في تناوله للمسألة؟ لمصلحة مَن مِن أطراف الصراع الداخلي الجزائري نُبشت قبور الرهبان السبعة؟
الممارسة السياسية في الجزائر، ولا نقصد بها تحركات بلخادم وشطحات زياري وتشنجات أويحيى وهم أيضا يصدق عليهم وصف مسرح الكابوكي، هذه الممارسة هي فنّ الضبابية بدون منازع. مسرح خيال الظل. كل شيء يتمّ في الظل. الصحافة فقط هي التي تبني الفرضيات وتخبط خبط عشواء، وهذا بالقطع لا يشرّف النظام السياسي. لقد وعد ''العزيز'' أنه سيتكفّل بالصحافة خلال ''عهدته'' الثالثة. وبطبيعة الحال، فإن المشاريع الكبرى التي تطبخ حاليا، وعلى رأسها إعادة تنظيم الحياة السياسية، ربما لن تتلاءم مع ما تبقى من حرية لـ''مدلكات الحمّام'' في بناء الفرضيات وفي الخبط العشوائي!
ع. العلمي
زيارة باريس المؤجلة والعلاقات مع فرنسا في غرفة الإنعاش
رغم اقتراب موعد الدخول الاجتماعي، إلا أن زيارة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المفترضة إلى باريس لا تزال علامة استفهام كبيرة، ومن وراء الزيارة هناك العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية التي دخلت في مرحلة من التوتر غير المعلن، وكانت مسرحا لضربات تحت الحزام تبادلها الطرفان تمهيدا للمعركة القادمة.
كان من المفروض أن يزور الرئيس عبد العزيز بوتفليقة باريس في شهر جوان الماضي، بعد تأجيل الزيارة التي كانت مبرمجة بداية العام الحالي. لكن انشغال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي برئاسة بلاده الدورية للاتحاد الأوروبي من جهة، وانشغال الرئيس بوتفليقة بالانتخابات الرئاسية التي كانت على الأبواب، كانا السبب في تأجيل الزيارة إلى بداية الصيف، وذلك لأن الرئاسة الفرنسية مثلها مثل غيرها كانت تعرف بأن بوتفليقة باق في الحكم، وأن الانتخابات الرئاسية مجرد ديكور. ولكن الغريب أن الدعوة التي وجهت مجددا لبوتفليقة لزيارة باريس في جوان الماضي قوبلت بنوع من اللامبالاة، حيث قال وزير الخارجية مراد مدلسي إن الرئيس قبل الزيارة من حيث المبدأ، وهي عبارة لم يتوقف عندها الكثيرون في البداية. وظلت السفارة الفرنسية في الجزائر تنتظر إشارة الموافقة للشروع في تحضير الزيارة، إلا أن الإشارة لم تأت، لتعلن السلطات الفرنسية عن تأجيل الزيارة إلى الخريف القادم. ولكن السلطات الجزائرية، من جهتها، لم تقل إلى حد الآن رسميا إن كان بوتفليقة سيذهب إلى باريس في الخريف أم لا.
العلاقات بين البلدين زادت في التوتر خلال هذا الصيف، فانفجار قضية رهبان تيبحرين مرة أخرى وتوجيه الاتهام للجيش الجزائري زاد في تعقيد العلاقات بين البلدين. وإذا كان زرهوني قد شبه تلك الاتهامات بمسرح الكابوكي، فإن رئيس الجمهورية انتهز فرصة الاحتفالات بذكرى 20 أوت ليوجه رسائل مشفرة إلى فرنسا، عندما عاد إلى الحديث عن جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر، مشددا على أن الثورة التحريرية احترمت حقوق الإنسان ومعاهدة جنيف، وأن هذا الاحترام تواصل خلال المعركة التي قامت بها الجزائر ضد الاستعمار.
إن ما سبق يوحي بأن بوتفليقة لن يذهب إلى فرنسا في زيارة رسمية في الخريف القادم، أو لعله لن يذهب أبدا، فالأمور سائرة في طريق مزيد من التوتر، بدليل أن زيارات الوزراء الفرنسيين إلى الجزائر انقطعت، وحتى الزيارات التي كانت مبرمجة أجلت إلى وقت غير معلوم، كما أن الاتفاقات التي وقعت خلال زيارة الرئيس ساركوزي إلى الجزائر في ديسمبر 2007 لا تزال تراوح مكانها.
الأسباب وراء هذا التوتر الذي أصاب العلاقات بين البلدين تبقى غير واضحة، حتى وإن كانت المؤشرات توحي بأن الطرف الجزائري هو الغاضب والعازم على وضع العلاقات بين البلدين في الثلاجة، فبعض التحليلات تشير إلى قضية الدبلوماسي محمد زيان حسني، الذي لا يزال متهما بالضلوع في تصفية المعارض علي مسيلي في باريس عام 1987 حتى الآن، وإن كان القضاء الفرنسي قد رفع عنه الرقابة القضائية جزئيا، وتحاليل أخرى تتحدث عن قضية الشاب مامي، صديق الرئيس بوتفليقة، الذي أصر القضاء الفرنسي على إحضاره من الجزائر ومحاكمته، كما أن مصادر أخرى تؤكد على أن هذا التوتر له علاقة بالوضع الصحي للرئيس بوتفليقة الذي كان محل مزايدات من السلطات الفرنسية، التي اعتمدت على الملف الصحي للرئيس لإصدار تنبؤات وتكهنات.
أسامة. ع
حزب شقيق بوتفليقة بين النية والإشاعة: هل يوظف ''المتربص'' في رئاسة الجمهورية في منصب ''الرئيس''؟
من الملفات الساخنة التي طبعت الساحة السياسية في الجزائر مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية في أفريل الماضي، والتي لم يفصل فيها إلى اليوم وتظل بين الملفات الموضوعة في خانة ''جس النبض والتأجيل''، ملف تأسيس السعيد بوتفليقة، شقيق رئيس الجمهورية، حزبا سياسيا جديدا تحسبا لخلافة أخيه الرئيس مقاليد الحكم.. ويظل هذا الملف من أهم ما يعطي النكهة ''السياسية'' للحياة السياسية الفاترة والبائسة التي تجردت من هذه الصفة، خاصة منذ مباشرة الرئيس بوتفليقة عهدته الثالثة، ويبقى ـ على الأقل ـ الملف الذي يثير اهتمام الرأي العام الذي بدأ يضيق ذرعا بالسكون الذي يقتل الساحة السياسية في الجزائر.
قيل الكثير في هذا الموضوع. لكن، كل ما قيل إلى حد الآن لم يتجاوز ما كتب في الصحف المحلية وما نقل عنها في بعض الصحف الأجنبية، ولم يتعد حديث الصالونات، بل إن الكلام عن الحزب الجديد كان مصدره الأول بعض الصالونات التي كانت ولا تزال مصدرا لترويج بعض الإشاعات، وكذلك مصدرا لتسريب بعض الحقائق الهامة في الساحة السياسية، وما كتب لحد الآن كان منقولا عن مصادر مجهولة لكنها مسؤولة وعليمة بما يدور حول تشكيل حزب أخ الرئيس، ما جعل المتتبعين لهذا الملف ينقسمون بين مشككين في صحة ما يقال وبين مؤكدين على وجود المشروع وجديته. وحجة الفريق الأول أنه لا وجود لأي معطيات رسمية توحي بأنه ثمة ما يطبخ في دواليب السلطة لخلق التشكيلة السياسية الجديدة، في ظل المنع المطبق لتأسيس أحزاب سياسية، فليس هناك ولو مسؤول سياسي واحد تكلم بصراحة ووضوح حول هذا الموضوع، خاصة أن المعني الأول، وهو سعيد بوتفليقة، لم يتفوه بكلمة واحدة وظل محافظا على طبيعته كرجل لا يظهر إلا بجانب آخيه الرئيس في خرجاته الميدانية وبعض نشاطاته الرسمية، فضلا عن كون رئيس الجمهورية لم يعط أية إشارات واضحة حول هذا الموضوع، حتى لا نقول إنه لم ينف أو يؤكد صحة ما يقال مثل أخيه سعيد. أما الذين تكلموا مثل الوزير الأول أحمد أويحيى وعبد العزيز بلخادم ممثل بوتفليقة، فلم يقولا شيئا يصنف مشروع الحزب بـ''الميت''. ويرى هذا الفريق أن تأسيس السعيد بوتفليقة حزبا سياسيا، حتى وإن كان حقيقة، سيضع السلطة، ممثلة في وزارة الداخلية، في مأزق كبير أمام الطامحين لتأسيس أحزاب جديدة منذ سنوات، خاصة بالنسبة لتلك المشاريع المرفوضة قطعا، كحزب ''وفا'' لمحمد السعيد، وحزب سيد أحمد غزالي، رئيس الحكومة الأسبق، وحزب مدني مزراف، الأمير السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ، بل سيفتح شهية الكثير من الذين فشلوا في البقاء داخل أحزابهم وانشقوا عنها للتفكير في خلق أحزابهم، وهو ما لا ترغب فيه السلطة، لأنها لم تعد في حاجة لمثل هكذا أحزاب مجهرية، طالما الموجودة تفي بالغرض لحد الآن. ومن جهة أخرى، يعتقد أصحاب هذا الطرح أن رئيس الجمهورية ليس بحاجة إلى خلق حزب سياسي ليورث أخاه الحكم من بعده، فإن أراده خليفة له، فبطرحه مترشحا حرا لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي لن يشارك هو فيها، فإذا كان يحقق إجماع صانعي القرار في الجزائر، فسيعتلي مقاليد الحكم دون عناء وبحث عن طرق شكلية لإيصاله إلى قصر المرادية، فالطريق إليه هكذا أقصر وأسرع، ولا توجد فيها أية ممهلات أو حواجز.
وعلى عكس هذا الفريق، يقول المؤكدون على تأسيس حزب سعيد بوتفليقة إن عدم تدخل هذا الأخير في هذا الموضوع على أهميته، لا بالنفي أو التأكيد شأنه شأن رئيس الجمهورية، يعني أن الترتيب لهذا الحزب حقيقة، وأن كل ما سرب للصحافة الوطنية لم يأت من سراب، فجس النبض أتى بثماره، مادامت الطبقة السياسية بسكوتها راضية، حتى وإن لم تكن فعلا كذلك فليس من حقها الاعتراض، كما أن الرأي العام أصبح مهيئا على الأقل على مستوى الشارع، فالمواطن يحضر لفكرة حزب جديد سيكون حزب الرئيس القادم، وهو شقيق الرئيس الحالي، و''هضم الأمر دون مضغ'' مثلما فعل عند تعديل الدستور بما سمح لبوتفليقة الترشح لرئاسة البلاد مدى الحياة. وفعلا، وكما كان مطروحا، تأسست ''حركة الأجيال الحرة'' في 29 جويلية المنقضي، وترأسها أحد المقربين من الرئيس، هو مراد ساسي، وضمت مقربين من شقيقه ومستشاره السعيد، فضلا عن مسؤولي لجان مساندة عبد العزيز بوتفليقة وعسكريين متقاعدين، وهي الحركة التي قيل منذ البداية إنها ستكون مهد حزب الأخ الأصغر للرئيس ورجل ثقته، وهي بديل المشروع الذي ألغي بتأسيس حزب للرئيس بوتفليقة، والذي شرع فيه عبد المالك بن حبيلس، رئيس المجلس الدستوري الأسبق، بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في ,2004 قبل أن ينسحب من المشروع ويقرر بوتفليقة التخلي عن الفكرة.
ويذهب هؤلاء في تأكيد ما لم يؤكده الأخوان بوتفليقة، إلى أن رئيس الجمهورية يريد من خلال حزب شقيقه تشكيل قاعدة سياسية جديدة ذات مصداقية تتبنى مشاريعه، ومنها مشروع العفو الشامل المعلق، وخلق حزب سياسي يكسر الجمود الذي آلت إليه الأحزاب في الجزائر، يتولاه أقرب رجل إليه وأكثرهم ثقة به وأقدرهم على تحقيق هذه المشاريع بالشكل المناسب الذي يريده رئيس الجمهورية. بهذا الشكل، تمنح كل الشرعية لخليفة بوتفليقة، ويكون هذا الأخير قد نجح فعلا في تويث حكمه لعائلته، بنفس الأسلوب الذي انتهجه الرئيسان معمر القدافي في ليبيا وحسني مبارك في مصر، اللذان يسعيان لتثبيت ولديهما في الحكم من بعد رحيلهما.
ويكون الوضع الصحي لبوتفليقة وراء هذا الحزب، بحسب الفريق الثاني، فالبحث عن خليفة بوتفليقة وهو رجل لا يوجد في رصيده ما يحسب عليه أو له في الساحة السياسية سوى أنه أخ الرئيس، أمر أصبح محتما، وجاء في أوانه في ظل تدهور حالة بوتفليقة، خاصة إذا كان السعيد فعلا كما يشاع عنه، له كلمته ووزنه أمام الرئيس، فهو بذلك يعيش ''تجربة الحكم'' وهو في حكم ''المتربص'' في رئاسة الجمهورية، بل هو الآن في حكم ''المتكون'' والمؤطر من قبل شقيقه رئيس الجمهورية، وجاهز ليحصل على منصبه ''رئيس الجمهورية''، فثلاث عهدات كانت كافية ليصبح مهيئا لتولي زمام الأمور في البلاد، فدون شك، عرف هذا الأستاذ النقابي السابق في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا، بعد أكثر من ثماني سنوات قضاها ''كتفا إلى كتف'' مع رئيس الجمهورية، ما يدور في دواليب الحكم، وعرف ما يجب أن يكون عليه من يتولى حكم البلاد.
وبين الطرحين، يبقى المسار الذي ستأخذه حركة الأجيال الحرة المؤسسة حديثا، وحده كفيلا بمعرفة صحة ''حزب شقيق الرئيس''، وهل هو الذي سيحكم البلاد بعد ذهاب بوتفليقة.
كريمة بوعباش
ملف عالق والدولة مازالت لا تأخذه على محمل الجد:العفو الشامل مطية للخليفة وهواة غسل الأموال والحركى
في الكثير من المناسبات، أثار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مسألة العفو الشامل بكثير من التساهل، في حين التقطه وزيره الأول أحمد أويحيى بكثير من الحذر، لكنه يظل حتى الآن مجرد مصطلح يثير شهية الكثيرين من المتورطين في قضايا الفساد، الرشوة وتبييض الأموال.
من المواضع العالقة، بل والشائكة المثيرة للجدل، موضوع العفو الشامل في الجزائر. فرغم الكثير من التحاليل التي انتهى إليها الخبراء والمهتمون، إلا أنه يظل الموضوع الحاد الذي يطرح العديد من التساؤلات، نظرا للضبابية التي تم بها عجن هذا المصطلح الكبير، والإدلاء به بطريقة دونكيشوتية، رغم أنه شائك جدا، فهو كالتين الشوكي لا يمكن حمله باليد دون أن يخلف آثاره، هو موضوع لا يمر دون أن يثير جدلا حادا، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، خاصة بعدما أصبحت الجزائر في السنوات الأخيرة محط الاهتمام. فالمسار الذي اتخذه هذا المصطلح في ظل الأحداث السياسية للبلاد، يدفعنا إلى الوصول إلى أن القادم في مسألة العفو الشامل أعظم، بمعنى أن العملية تمت بطريقة ضبابية، وهذا ما يجعل منها ورما خبيثا سيعمل على تحطيم ما حوله.
أعراضه السلبية بدأت في 28 مارس 2009 مع عبد العزيز بوتفليقة في حملته الانتخابية للعهدة الثالثة، عندما قال: ''لن نتحدث عن العفو إلا في حالة واحدة، عندما يضع كل إرهابي السلاح نهائيا ويسلم نفسه لقوات الأمن''. الملاحظ في هذا الخطاب الذي ألقاه في عز حملته لانتهاك الدستور أنه تحدث عن ''العفو'' وفقط، ولم يضف كلمة شامل، لأنها صدمة إضافية. ولهذا، عمل على اعتماد التدرج في عرض هذا المصطلح ''عفو شامل''. وفي هذه الحالة، فإن المسألة ستكون مختلفة.
في كل الأحوال، هي قراءة بعض المراقبين في السياسة الوطنية. ولكن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عمل على إزالة أي غموض في ملاحظاته، حيث أوضح مرة أخرى وفي وقت لاحق في آخر خطاب ألقاه في الحفل الختامي للحملة: ''لن يكون هناك عفو شامل من دون استفتاء، وذلك لأن الشعب هو الذي يغفر، وسنعمل ذلك على تطبيق خياره بكل نزاهة''.
في النهاية، أوقع كلمة شامل، إذا المسألة لا يمكن أن نختصرها في عفو بسيط موجه لهؤلاء الإرهابيين الذين كانوا وراء المجازر التي ارتكبت خلال عشرية الدم والدمار، إذا يتعلق الأمر بعفو شامل سيستفيد منه الكثير من الأشخاص غير الإرهابيين. تدقيق أكد عليه عبد العزيز بوتفليقة نفسه في2004 عندما قال: ''وحده الشعب من يقرر هل يكون هناك عفو أو عفو عام''. من يعنيهم الأمر من العفو العام على حد سواء، أولئك الذين ارتكبوا أعمالا إرهابية خلال المأساة الوطنية أو غيرهم. والسؤال الملح في هذه الحال: إذا كنا نعرف الفئة الأولى من المستفيدين، أي الإرهابيين، تبقى الفئة الثانية بمحاذاة علامة استفهام كبيرة جدا، أي بعبارة أخرى من تلك الفئة التي تستفيد من العفو عدا الإرهابيين؟
يعتقد بعض المحللين أن العفو الشامل سيتم توسيعه لغسل الأموال وغيرها من المسائل المالية والمتهمين في العديد من قضايا الرشوة والفساد وغيرها وحتى الحركى أيضا.
وحتى صاحب الإمبراطورية المنهارة عبد المومن خليفة الذي كان قبة للعديد من الشخصيات (السياسية، الرياضية، الثقافية والإعلامية...) لهم الحق في المطالبة بالعفو، إذا كان شاملا. بالمعنى القانوني، سيستفيد كل هؤلاء الذين قتلوا أو ارتكبوا جرائم أخرى تندرج في إطار جرائم القانون العام.
وبالنظر إلى ما تقدم، يمكن أن نقول إن العفو الشامل أو العام هو خطر حقيقي بالنسبة للجزائر، دولة وشعبا.
وفي هذه الحالة، يمكن أن نضع الموضوع في سياقه، عندما نتحدث عن انتهاك أسس العدالة الجزائرية باسم ''استفتاء شعبي''، ونحن نعلم جيدا أن الشعب الجزائري ابتعد بل وفقد الثقة في هذا النوع من الممارسات التي أصبحت مطية للتلاعب بخيارات الشعب، من خلال التزوير الضارب أطنابه حتى العمق ويمارس بطريقة تعسفية حتى ولو امتنع الشعب الجزائري عن التصويت، وبالتالي اتخاذ خطوة من هذا الحجم، أي العفو الشامل، سيعطي فرصة لهواة اختلاس الأموال العامة، وهي مرحلة نهائية لاستفحال الفساد في الجزائر. قد لا يفهم البعض أن مصطلحا بهذا الحجم يعني أنها مسألة حياة أو موت. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الوزير الأول أحمد أويحيى كان ضد العفو الشامل، وذلك خلال الندوة الصحفية التي نشطها في جوان الماضي خلال الدورة الثانية للمجلس الوطني للتجمع الوطني الديمقراطي، زعيم الحزب كان مصرا عندما قال: ''الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية متسامح، لكنه لا يقدم عفوا شاملا''، قبل أن يضيف: ''الذي يتحدث عن عفو شامل مسؤول عن أقواله''. وهي إشارة إلى التصريحات التي أدلى بها الرئيس خلال حملته الانتخابية للرئاسيات في 9 أفريل 2009 عندما قال: ''لن يكون هناك عفو شامل من دون استفتاء، وذلك لأن الشعب من يغفر وسنعمل على تطبيق خياره''. إذا كان الوزير الأول حذرا في هذه المسألة، فإن بوتفليقة كان دونكيشوتيا في تصريحاته وهذه هي الكارثة بعينها.
الملف مازال عالقا، والفتى الذهبي صاحب الإمبراطورية فار، والجزائر مازالت تعيش مرحلة انتقالية صعبة لا تريد أن تنتهي، رغم أن كل أعراض الورم وصلت إلى المرحلة النهائية إلا أن لا شيء في الأفق يوحي أن هناك نهاية لكل ذلك.
وسيلة بن بشي