مَا كُتب حَتى الآن وما قيل عن مباراة المنتخبين الجزائري والمصري المقررة في الـ14 نوفمبر الجاري، تجاوز كلّ التوقعات. ولم يكن واردا في أعراف الرياضة أن تثير مقابلة في كرة القدم كل هذا الصخب والجدل العقيم بصفة تكاد تكون يومية خاصة في أجهزة ووسائل الإعلام المصري، بحيث لو تمّ جمع كل ما كتب في الصحف، وما صُرح به في الإذاعات المرئية والمسموعة لشكل خزانة من الكتب، ولكن المؤسف والمخجل في آن معا أن الجزء الأكبر منها عبارة عن هرطقات وهراء إعلامي لا يُعبر عن حقيقة العلاقة بين الشعبين الجزائري والمصري، ولا عن عمقها المتأصل، وهو يدين إدانة واضحة الفئات التي تريد تأجيج نار الفتنة وتشويه صورة الرياضة العربية.
فإذا كان من حق الصحافيين في مختلف وسائل الإعلام تعبئة الجماهير والأنصار وشحنهم بالحماسة في المواعيد الرياضية الكبرى فهذا لا يعني تجاوز حدود اللياقة والخروج عن إطار الاحترام والطعن في مصداقية العلاقات التي تربط بين الدول، من خلال استخدام أسلوب التجريح دون مراعاة آداب الحديث والكتابة التي من المفروض، وهذا هو الواجب، أن تعتمد على الصدق وحسن النوايا وتجنح إلى ما يرسخ قيم التسامح ومكارم الأخلاق.
كلّ العارفين بالشأن الرياضي من المعتدلين والمحايدين يجمعون على أن الشوفينية والتعصب والأنانية المفرطة لا تولد في النهاية إلا الأحقاد والضغائن، ولا تخدم الرياضة في شيء طالما أنها تتخذ من العدمية عنوانا لها وشعارا في ولوج عالم أسمى بكثير من مثل هذه الحالات الشاذة.
فلو أن هذه الشحنة من الكتابات والتصريحات لدى الإخوة المصريين وجهت نحو جبهات أخرى لكان أفضل وأفيد وأجدى لأصحابها من الخوض في مباراة لا تحتاج إلى كل هذا التهويل والضجيج الإعلامي.
إن من يريد الانتصار عليه أن ينتصر أولا على أنانيته وتعصبه، ويقوّم ذاته من الوقوع في الزلل وإلا ينساق وراء عواطفه، ويكون عبدا لنزواته، ويحاول أن يمتطي حصانا بلا لجام.
الرّغبة في الانتصار في أي مجال من مجالات الحياة حق مشروع لكل إنسان، ولكنها في المقابل تخضع لشروط ولضوابط أخلاقية، فعندما تصبح سياسة من ليس معي فهو ضدي بل وعدوّي تستخدم في المجال الرياضي، ويتم الترويج لها في وسائل الإعلام إلى حد أن الإخوة في مصر من الإعلاميين لم يحترموا حتى آداب الضّيافة مثلما وقع مع المطربة الكبيرة وردة الجزائرية التي خوّنوها لأنها عبّرت عن أمانيها في انتصار فريق بلادها، فهذا يؤكد أن حالة الطيش الإعلامي وصلت إلى أبعد الحدود وكسرت جميع الحواجز.
وأن ما توسمناه في هؤلاء الأشقاء من آداب وأخلاق وتبصر كان مجرد أوهام لم تصمد أمام الحقائق المرة التي أماط اللثام عنها بعض المحسوبين على الإعلام المصري، وما نأسف له أكثر هو أن ثلة من رموز الثقافة والرياضة في أرض الكنانة استهوتهم اللعبة الإعلامية في جانبها غير الموضوعي وانحازوا كليا لها ظنا منهم أن ذلك سيزيدهم تألقا وشعبية وجماهيرية.
الوجه الآخر لهذه الحملة التي لن تكن شريفة ولا نزيهة منذ انطلاقتها هو أن الرياضة كانت بالنسبة للبعض مرتكزا لتصفية حسابات لا وجود لها إلا في أذهانهم، وإلا ما معنى إقحام مواضيع وقضايا أخرى لا صلة لها بالرياضة في كتابات وأحاديث وتصريحات هؤلاء الذين يغيضهم أن تتفوق الجزائر وتتأهل إلى المونديال.
وإذا كنا لسنا في حاجة إلى تذكير أمثال هذه النماذج بما يمليه واجب المهنة ونزاهة العمل الإعلامي من أخلاق عالية في التعامل مع المسائل الحساسة والجوهرية، نؤكد أن الانفصال الذي ننشده ونتمناه هو السمو بالرياضة لتكون جسرا للتواصل بين الشعبين الشقيقين الجزائري والمصري وأن يتغلب فيها العقل على النزعة الشوفينية، والنظرة المسطحة لواقع الأشياء.
برهوم بوجمعة