بعد نحو ثلاثة أسابيع من القبض على الرئيس العراقي صدام حسين، لا يزال حملة الأقلام المصريين من رجال الإعلام والفكر، ونفر من كتبة المارينز العرب، ينحتون كتاباتهم في صخرة الانتقام الأبدي منه وتناسى القوم أن سياسات وممارسات الرجل صناعة مصرية ليس إلا...
ولم يتخلف عن الحملة، ''شيخ'' الصحافة العربية إبراهيم نافع فنزل إلى حضيض الخربشات حين تجرأ في عموده اليومي بالأهرام، عقد مقارنة سخيفة، بين ما أعتبر على أنه ''صمود عرفات بمسدس وشمعة وبين غباء وجبن صدام''.. وسط جغرافيا عربية سياسية تتقاسم فيها النخب الحاكمة محصول الجبن والديكتاتورية والخيانة من المحيط إلى الخليج، دون مجال تتسع فيه المفاضلة بين زعيم سياسي وقائد عسكري.. وهذا بيت القصيد في مقاربتنا هذه، وليس العبرة في تثمين سياسات أي حاكم عربي، بالقدرة على التخفي، أو التفنن في عقد صفقة مع أمريكا، للبقاء في السلطة كما هو شأن كثير من الحكام، وإبرام معاهدات مع اليهود خيانة كامب ديفيد، واسلوا... حتى تتفادى غزو أو عدوان ما أو ملاحقة ما لهذا الزعيم أو ذاك كما هو شأن صدام، ليتسنى القول أن الرجل جبان، بل رضي لنفسه المحرقة، أو ليس القاعدون عن القتال في قمة الجبن، أو ليس الذين رضوا بعلاقات العبد بسيده أحقر، فجميع هذه الخيارات تجري مجرى الخيانة، وليس هاهنا بين ممارسات مبارك، وعرفات، والأسد، وصدام شيء حتى نأخذ الأخير ككبش فداء.. لينسى الناس جرائم آخرين... اعدلوا هو أقرب للتقوى.
فكل ما سطرته كثير من أقلام الإعلام المصري والعربي، خلال الأيام الأخيرة يفيض بالتحيز والتجني يخفي خلفيات سياسية وكيل بمكيالين، وتضليل للرأي العام وإبعاد الشبهة في الأخير عن أصل الداء، أو الطغيان والاستبداد، وحب الزعامة التي نشرت سمومها حقبا من النيل إلى الفرات، تارة باسم القومية، وتارة أخرى بغطاء البعثية والناصرية، ومحاربة الرجعية، وإذا نعترف أن فضائية مميزة كفضائية دولة الكويت أحسنت تعرية النظام البعثي بالعراق، بتوظيف جيش من منظري الدراسات الانهزامية، فإن أمثال هؤلاء المحاربين بالوكالة عن الأمريكان، لم تمنعهم مواقعهم من السقوط في خنادق الهزيمة الفكرية، ولم تشفع لهم خبراتهم المشهود لهم بها من مجانبة الموضوعية وأخذ الحيطة وتجنب التضليل في مثل هذه المواقف والسياقات، والتسلح بالوعي الشامل واستيفاء المعاني والأفكار، عند التطرق لأخطر موضوع وهو الدكتاتورية في الوطن العربي، أو إحدى دوله هي في الأصل تمثل أحد فروع الطغيان العربي، وشجرته الكبيرة، والتي لا يمكن لأهل الحياد والمصداقية جزأرة كيانها، ومعالجة غصن منها دون الآخر.
وإذا كان بد من تعرية إحدى جهاتها، فلتتعرى كاملة، حتى يستقيم المعنى لدى القارئ العربي، أو لتستأصل من الجذور، فلا حديث عن جرائم صدام دون أستاذه القومي عبد الناصر الذي علمه سحر الديكتاتورية، ولا فرق بين صدام حسين في الممارسة السياسية، وبين حسني مبارك، فالاثنان بطشا بالمعارضة، واستفردا بالحكم الفردي، وما الحياة الشعوب، إن كانت بغداد تنعم بالحكم الراشد، ولن تنعم به في ظل الاحتلال، والقاهرة بين يد فرعون جديد، فالمجرمون رغم تعاقب فترات الزمن، واختلاف الأماكن ملة واحدة والذي حالت الموازين السائدة في فترة ما من إصدار حكم بحقه، سيحاكمه التاريخ بمعايير عادلة وتوضع الموازين القسط لا بإشارات أمريكا أو لوائح لاهاي، بل بإرادة وعدل الله...
فحين تشريح سياسة صدام وبسط خطوطها العريضة، من إعدام وتذبيح وقمع سائر المخالف بل طبقات الشعب، فإنه بشكل عفوي نقف أمام نفق مصري مظلم هو شر البلاء والطغيان في العالم العربي، فإذا اقتفينا آثار رئيس بغداد السابق، نبدأ حتما من القاهرة عبد الناصر، فهي موطن الداء، ونتساءل عن أقلام التميز والتضليل والانتقاء، لو وقفت بنا في تعليقاته على ممارسات صدام وقبوره الجماعية، أمام قبور الإخوة المسلمين خلال فترة الستينات، ماذا لو طالت جرأتها إلى أن تفتش عن المكان الذي اختبأ فيه صدام حسين في القاهرة بين أحضان أجهزة عبد الناصر يوم فر من بغداد عام ,1959 وبعد أن فشلت محاولة اغتياله للرئيس كريم قاسم؟! وماذا بوسع الكتاب المتعصبين لكل ما هو مصري إلا أن يكون طغيانا واستبدادا أو معا أو ''بلطجة'' أن بسطت في حضرتهم عشرات المؤلفات التي تحمل حقائق مذهلة عن مذابح الإخوان في سجون ناصر، على خط الإجرام الأول؟!
لا شك أن نماذج وفنون التعذيب، وسياسات الاستئصال، في السجن الحربي وليمان طره، التي كانت تتخذ من الإخوان المسلمين وأقطاب المعارضة الليبرالية من سياسيين ومفكرين، خلال عقد الستينات تحديدا فئران تجارب لتعلم الإمساك بالسلطة، كانت تشكل الملامح القاسية للشاب العراقي الوافد، من تكريت لدراسة قواعد وأصول الحكم الفرعوني، الذي مثله رمسيس الثاني في غابر الأزمان بصيحته اللعينة لعل اطلع إلى إله موسى وتبعه الجلاد حمزة البسيوني بصرخته اللعينة في السجن الحربي ''ايتوني بربكم أعذبه''، هذا وقفز الكاتب عادل حمودة لتمريغ سمعته، في مقالة سخرها ليوهم عبرها أن سمات العنف السياسي لصدام تشكلت يوم تمنى موت أمه في مقال ''بالأهرام'' ضم أربعة أعمدة شكلت حياة صدام دون إشارة ولو عرضية منه لمحطة القاهرة وتداعيات أحداثها السياسية والأمنية على سيكولوجية الرجل...
والأدهى أن تأثر صدام رغم أنف المصريين، بغريمه ناصر كان شموليا لحد اقتسم معه على فترات متباعدة ومتكاملة، هزائم نكراء وجرائم وإذلال مهين، جلبه الزعيمان للشعوب العربية، على يد اليهود وأمريكا بدعوة العروبة المزيفة.. ولسنا بحاجة لتفصيل جرائم الرجلين، ودماء الأبرياء التي راحت ضحية عنجهيتهما وعنتريتهما في تل أبيب. لا في واشنطن، بل في قلب العروبة التي كانا يسبحان بها، في مصر بشأن نظام صدام المنهار، وسياسات زعيمه السجين، كنت أتساءل عما دفع أقلاما يقال أنها تتمتع ''بالذوق الفكري الرفيع'' وتتميز بتحاليلها العميقة، على قطع سلسلة من ممارسات ضباط ثورة يوليو 25 بمصر الدولة المحورية، تناظر مثيلتها في عدد من الدول العربية، في دراسات وتحاليل استراتيجية تستشرف عادة المستقبل بخيوط الماضي.
تجاوزات الجيش المصري في حرب اليمن مثلا، تضاهي ممارسات جيش صدام، هناك يا سادة قضية مقبورة تتعلق باستعمال الغازات السامة المحظورة مثل غاز الخردل (الذي رش به صدام الأكراد) من قبل الجيش المصري في حرب اليمن بداية الستينات من القرن الماضي، ضد أنصار واتباع الإمام أحمد، وممارسات رجال هذا الجيش في قرى على الحدود اليمنية السعودية على شاكلة ما جري في الكويت تماما (لاحظ مشاهدات الصحفي جون كوولي المثيرة التي دوّنها في كتابه ''حرب أمريكا في الشرق الأوسط'' وتجربته هناك ص 227 ''مترجم'').
قالوا إن نظام البعث السابق، اختزل في شكل دوائر مخابرات متداخلة ومعقدة، والداني والقاصي في العالم يعرف أن مثل هذه الأجهزة القمعية في المنطقة العربي، هي صناعة مصرية مسجلة، في زمن اشتهر فيه صلاح نصر، مدير لأشهر جهاز مخابرات، وكأقسى رجل ظل بمفاسده وجرائمه إلى يومنا هذا أشهر من نار على علم، وكانت قضية انحراف جهازه عام ,68 وقضية تعذيب مصطفى أمين، وزينب الغزالي وعمليات تصوير الفتيات في أوضاع شاذة أو ما يسمى بعمليات الكنترول، بهدف تجنيد الفنانات وغيرهم.
الملاحظ أن منهج صدام في تأسيس وهيكلة الأجهزة وفق نظرية جهاز داخل جهاز، هي طريقة جمال عبد الناصر في الحقيقة، كما يقول محمود جامع، في كتابه ''عرفت السادات'': ''أنشأ عبد الناصر الجهاز السري الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب وكانت له خلاياه السرية، ونشراته التي عليها أرقام كودية سرية، وتنظيم سري آخر يتجسس لرجال القضاء...''. وتجمع الكثير من الدراسات الموضوعية على أن تنظيمات التطرف التي ظهرت وتفرخت في مصر أول مرة في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت وليدة سياسات الاستئصال التي انتهجها النظام الناصري وأجهزته والتي انعكست في التعذيب والرهيب والتنكيل ما نشاهده اليوم في عدد من الدول العربية من استئصال وإرهاب موازي هو نتاج ووليد سياسات الناصرية بلا جدال، هذا منذ أن بدأ المذبحة في سنة ,1965 وقال عبد الناصر في نادي الشباب في موسكو في حضرة أسياده الشيوعيين قولته الفرعونية ''لن أعفو بعد اليوم...''.
لا يزال القوم يتحدثون بإسهاب، عن جواري القصور الرئاسية في بغداد، ومعظمهم يعلم أن القائد الأعلى للجيش عبد الحكيم عامر رجل فاسد قضى ليلة الرابع جوان 67 في ملهى ليلي، وسمعت عبر قناة فضائية رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام وحيد عبد المجيد، يصرح ''أن صدام أهان نفسه وتخلى عن شرفه، يوم دخل مفتشو الأمم المتحدة، يعني جواسيس إسرائيل، غرف نومه''.. صرفا لأنظار الرأي العام العربي الذي لم يفهم سر العربدة اليهودية كل يوم في سيناء وشرم الشيخ، وفي خضم هذه الحملة التي جاء انتقاما لجهود صدام عام 1970 في طرد نظام السادات من الجامعة العربية.. كان صاحب عمود صندوق الدنيا يردد ''سجون صدام الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود'' نقول أطربتنا بهذه المقطوعة التي لا تكتمل نشوتها إلا إذا أقررنا أن السجن الحربي أيضا ودون نفاق، كان ميدانا مثاليا، لتجارب فنون التعذيب على قطاعات من الشعب المصري...
إن هذه الحملة غير حيادية والانتقائية، التي لا تريد أن تنتهي إلا بإعدام صدام حسين وبيع جلده في بورصة وول ستريت، وتقديم رأسه قربانا لآلهة إسرائيل، تهدف فيما يبدو لطمس جذور البلاء، والاستبداد من مصر، ونقل مؤسسة ''القمع العربي'' من النيل إلى الفرات ودول عربية أخرى.. للأجيال القادمة... ولكن هيهات فالتاريخ قال كلمته. ¯
بقلم ربيع بشاني
ماذا اقول للكاتب انا لم اعاصر جمال عبدالناصر ولكن اسمع انه جميع العرب فى عصره كانوا يجرون وراؤه وانه كان المثل الاعلى لجميع العرب وليس للرئساء فقط اليوم جمال عبد الناصر فى ذمة الله اذا اكتب على كيفك فمن حقه الرد عليك هو فى ذمة الله
[hany] [ 01/02/2010 الساعة 1:42 مساءً]
بص انا ساقول لك شيئا انا مصرى وباحب الجزائر والجزائريين ولست مضطرا لقول ذلك لكن < وخلى بالك من لكن هذة> اعترض وبشدة على كلامك وكلام اغلب وسائل الاعلام الجزائرية اولا ليس كل ما هو مصرى سىء وكذلك الجزائر حبيبتنا وليس كل ما هو مصرى حسن وكذلك الجزائر حبيبتنا ثانيا- ليس كل ما هو مصرى يتبع مبرك ونظامه ويرضى عن سياسته وافعاله ثالثا -اننا اخوه بلدنا هى بلدكم وبلدكم هى بلدنا ومن حقكم نقدنا وعتابنا كما تفعلون مع الجزائر والجزائريين دون تمييز - ونحن من حقنا ذلك ايضا معكم - ولكن - دونما استهزاء اوتشهير او ازدراء عاشت الجزائر حره ابيه قويه لابنائها ولنا لكل العرب ولكل المسلمين