نالت مؤخرا التشكيلية الجزائرية، عتيقة بوبزاري، جائزة "سيفر دورو" للفن المعاصر، منحها إياها المركز الثقافي لميلان بإيطاليا، عن لوحتها "موت روحي"، وعن عملها بعنوان "ماسك". وليست المرة الأولى التي تكرم فيها هذه الفنانة. عتيقة، المعروفة بلوحاتها المميزة التي تعتبر قطعا من السديم والغيم والحلم.
تعد عتيقة بوبزاري من الفنانات القليلات التي وجدت أسلوبا خاصا بها في عالم التشكيل، وتتويج الإيطاليين لها ليس من قبل المجاملة، ولكن لأنهم أدركوا أن هذه المرأة تقدم قطعا فنية غاية في الروعة، وهي تعبر عن ذاتها بشكل صارخ. نستطيع أن نقول بأن في لوحاتها انفجارا للمعنى يجعل المتلقي يفتح عينيه وهو يواجه لوحاتها المدهشة. هي لا ترسم ولكن تشكل من سديم لوني، وهي الوحيدة التي تحسن ملامسته ومزجه. أن تقرأ لوحات عتيقة هو أن تقرأ حلما متجليا في فضاء يبعث بك إلى اللا منتهى..
من يستطيع أن ينسى لوحتها "تفكير"، تلك التحفة التي تقدم لنا نموذجا لامرأة غارقة في هواجسها الفكرية. عتيقة عرفت كيف ترسم رحيل هذه المرأة في أفكارها بشكل لافت حتى غابت وراء ملامحها. يعلق أحمد مصطفاوي أنها لوحة ترمز إلى رفض العنصرية والحقد، ويؤكد أن الصورة تبدو لأول وهلة أن صاحبها تعوزه التقنيات وأن الشخصية تبدو مشوهة ويعوزها الدقة.. لكن الذي يدرك عمق الفن التشكيلي يفهم أنها طريقة عتيقة في تحطيم الواقع لإعادة صياغته وفق مفاهيم جديدة لها دلالتها.
للفنانة طرقها الخاصة التي تؤديها لغيم التشكيل، وكأن بها تستعير ضبابية الغيم ووهج السديم لترسم لوحاتها الجميلة، كما فعلت في لوحتها "استحواذ" التي تعد بدورها تحفة أصيلة يتوسطها وجه امرأة أيضا.. كأنها ترسم سيرة المرأة في هذه البلاد بشكل عام حتى وهي تقدم لنا لوحة "اكتشاف" وهي لوحة امرأة هادئة الملامح، أمازيغية الأنف، خصلات شعرها الشاردة تعيقها لفائف أشبه بحبال حولها. وفي زاوية أخرى من غيم اللون الذي ترسمه عتيقة، نجد لوحة "المشوهة" حيث لا صوت للمرأة، فهي تقدمها لنا بعين واحدة وبدون فم. "القناع" وهي اللوحة التي كرمت في إيطاليا ترسم وجه امرأة أخرى حيث نجد نصف وجهها محطما ولم يبق منه سوى العينين بلون البحر الذي امتص وجه هذه المرأة البريئة.
التصور الشعبي للجحيم له أبعاده الأسطورية، ولعتيقة أبعادها اللونية. لوحة "جحيم" حيث الدفق اللوني الأحمر يرسم خلفيات لأفاع نفحت سمها في كل مكان. المرأة تعود أيضا في لوحات الفنانة من خلال "توقف"، حيث الخضرة ووجه امرأة مأسور..
لوحة "الصعود" هي نبتة أزهارها عيون تنتهي عند كوة مغلقة. رسم بعيون امرأة تريد أن تصعد كنبتة اللبلاب كي تنتقم لسنوات سباتها في الأسفل. للانتظار معنى لدى التشكيلية، فهو يمثل وجه امرأة حزينة، وجه رجل بائس كلاهما ينتظر الوصال.
سيرة المرأة كما تقدمها لنا عتيقة لها دلالات عميقة جدا، فهي بطريقة ما تؤرخ لألم المرأة في العالم المتخلف، وتحاول أن تضيء هذه الوجوه البائسة بأناملها الرقيقة، لكن رغم ذلك نجدها في موقع آخر تعزف لحنا لونيا، حيث الزرقة والموسيقى الهادئة للكمان الذي يحول بأنينه المكان إلى جزيرة جميلة.
تكريم الإيطاليين لبوبزاري ليس المرة الأولى، بل سبق لها أن نالت تكريمات في إطار الجائزة الدولية الكبرى "رومبراندت" التي تمنحها الأكاديمية الدولية الخاصة بالنبلاء "إلموركوزو".
هي من مواليد الثاني من ماي 1959 بالجزائر. حائزة على ديبلوم من المدرسة العليا للفنون الجميلة في 1984 وشهادة أكاديمية الفنون والديزاين من بكين عام 1987، أقامت العديد من المعارض في مختلف بلدان العالم آخرها في ميلان بإيطاليا، حيث تم تتويج أعمالها.